من قِطاف البندورة إلى مصنع القرار .. سيرة الحقل والسياسة عبدالحافظ الشخانبة
د. نزار قبيلات
20-07-2026 11:02 AM
ولد في ربيع الحقول على كتف سيل الوالة، نشأ مزارعا فأتقن فلسفة الصبر والعناء وصليل شمس الحقول مبكراً، أدرك بيديه ضنك البوليتاريا ومعاناتها وهو ما أطاح به حين طالب بضراوة رفع الحد الأدنى للأجور في حكومة الكباريتي حين شغل منصب وزير العمل وقتذاك
في الوالة وفي أكناف خيام المزارعين وشقائهم ولد عبدالحافظ الشخانبة لعائلة من أربعة إخوة ومثلهم من الأخوات؛ عائلة عَرفت تقاسيم الحياة المجبولة من شمس الحقول وعرق الجبين، لقد نمت أظافره على الخشونة والقساوة في تراب الأرض، فصغيراً ارتدى كفوف الكدّ و العمل المضني في حقول الوالة ومشاتلها وأمام لوحة الحقل و السيل هذه اختط الشاب النحيل الوسيم طريق الآمال فصعد من الوالة إلى جامعة الصداقة في موسكو.
صعودا وهبوطاً إلى سيل الوالة حمل عبدالحافظ يوماً ورقة انتسابه للحزب الشيوعي وهو ابن تسعة عشر ربيعاً، فما أن أنهى الثانوية العامة حتى وجد نفسَه في مدارج كلية الطب في موسكو، بيد أنّه وما أن عاد حتى اختار قيدا آخر سوى قيد الحزبية، فمارس الإنسانية بتجلياتها حين وقف هذه المرّة مع المرضى الفقراء في عيادته في "سوق الحمايدة" في مادبا التي يعرف دربها الفقراء و الأقارب، فكانت كشفيته مجانية في كثيرٍ من الأحيان وأحيانا كان الدواء ايضاً من عيادته.
الترشح للبرلمان ومعركة ضد الرفاق قبل الخصوم
لأن ارتسام الحقل ظل حاضراً في ذهنه خاض عبدالحافظ مع أفول عصر الأحكام العرفية معركته البرلمانية الأولى فقارعه الرفاق و الخصوم، ولأنه تعلم من الحقل الصبر والأناة والعزم فاز عبدالحافظ في انتخابات 1993 بعد معركة انتخابية شرسة كان وصول عبدالحافظ فيها للبرلمان يفتح فصلا آخر من فصول الموالاة دون حبور او تأخر عن قول الحق وما يمليه الضمير، فصار أن حجب الثقة عن حكومة زيد بن شاكر ومنحها لعبدالسلام المجالي وكان أن اشترط منحها مرات عديدة تحت ضغط عالٍ.
((معاليك …مش حاب صحبتنا))
بما أن القَمرة لا تأتي على هوى الساري لم يُرجع لواء ذيبان عبدالحافظ للبرلمان رغم إصرار أبو مكسيم على ذلك غير مرة، فحافظ على رصيده الثابت من أصوات محبيه وحلفائه الذين لم يبرحوا مكانهم في كل مرة يترشح فيها الطبيب المزارع عبدالحافظ، ورغم كم التحذيرات من لا جدوى الترشح لمرات عديدة ، غير أنّه ظل عازما مكافحا كما كان في حقله، وبشهادة زملائه الوزراء و السفراء خسر عبدالحافظ أكثر مما كسب من مناصبه السياسية؛ فقد خسر مناصب كثيرة لكنه ظل لا يهادن حين تتيح له القِسمة ان يختار بين نصيبه او نصيب الوطن، فظل مع الوطن وقيادته دون تملق أو تبجح، فحين اختير عضوا في مجلس الأعيان ظل عبدالحافظ سنداً لرفاقه المزارعين والمسحوقين فثار غير مرة ضد شركات الإقطاع الزراعي وشركات التامين إلا أن قيل له مرة معاليك " شكلك مش حاب تكمل معنا".
لم يرتدِ العباءة والشماغ لكنه ظل أردني القسمات
يَعرف عبدالحافظ الشخانبة أبناء قبيلته الحميدية الكبيرة، كيف لا وقد جالس الخبّازات والجدّات والصغار و الكبار، ومما يعرف عنه حبّه للعب الورق مع الأصدقاء في مقاهيهم الشعبية وبيوتهم التي حُق له أن يدخلها أنّى شاء فهو المرحب به من الخصوم قبل الرفاق، فقد كان يرافق البسطاء و المثقفين دون تكبر أو استعلاء، إلى أن خانته صحته كثيرا، فضاقت شرايين الحياة عليه لكنها توسّعت بفضل رصيده الكبير في الحب، فأوفد إلى كبرى المستشفيات في اميركا في رحلة علاج لم تنته وقد أدرك ذلك لكنه صمد ببسالة منقطعة النظير، فقد ظل يغالب المرض ويصرّ على حبه لمادبا التي ظل وفيا لها وإن دعته عمّان مرارا وتكراراً لوسادتها، فقد أتيح لعبدالحافظ العيش في بلاد الله الواسعة وفي أبهى درجات الرغد لكنه ظل يملأ جلسات الرفاق حديثا شيقا وابتسامة خضراء كقلبه وحقله الذي لن يجف.
إلى رحمات الله الواسعة أبا مكسيم