قادتني الصدفة المحضة الى نقاش عفوي وتلقائي مع احدى السيدات الفاضلات والتي تتمتع برؤية اجتماعية شاملة وواقعية حول قضية تمكين المرأة مابين الدعوة الى هذا الشعار ( بمضامينه الغربية المستوردة) وما تحدثة الترجمة الحرفية الجوفاء لهذا الشعار على ارض الواقع بالاسرة والمجتمع.
نقول انه ومنذ عقود، أصبح "تمكين المرأة" أحد أكثر المفاهيم تداولًا في الخطاب السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وتبنّت الحكومات والمؤسسات الدولية والمحلية برامج وسياسات تهدف إلى تعزيز مشاركة المرأة في مختلف المجالات، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: قضية تمكين المرأة وما يحدث في هذا السياق .... إلى أين؟
الإجابة على ذلك اعتقد انها لا تكمن في زيادة الأرقام أو تحقيق حصص تمثيلية فحسب، بل في تحديد الغاية من التمكين ذاته. فالتمكين ليس هدفًا بحد ذاته، وإنما وسيلة لبناء مجتمع أكثر عدالة وكفاءة، يستثمر طاقات جميع أفراده على حد سواء، رجالًا ونساءً، بما يخدم التنمية والاستقرار،( وقد يكون الاستقرار قبل التنمية)، فالتمكين الحقيقي يبدأ من توفير فرص التعليم الجيد، والرعاية الصحية، والبيئة القانونية التي تكفل الحقوق والواجبات، وإتاحة الفرص للمنافسة العادلة على أساس الكفاءة والاستحقاق وليس على اساس الجنس، كما يشمل ايضا تمكين المرأة اقتصاديًا من خلال دعم الريادة في الأعمال، وإزالة العوائق التي تحول دون مشاركتها في سوق العمل، مشاركتها التي تحفظ خصوصيتها وخصوصية المجتمع وقيمه وثقافته الذي تنتمي اليه، وتبقي على دورها الرئيسي في الاسرة اولا وفي المجتمع ، في المقابل، فإن اختزال التمكين في الصراع بين الرجل والمرأة أو تصوير العلاقة بينهما على أنها معركة لكسب النفوذ، يفرغ الفكرة من مضمونها الحقيقي، فالمجتمعات لا تتقدم بإقصاء طرف لحساب الآخر، وإنما بالشراكة والتكامل كل حسب اختصاصه ومؤهلاته وفطرته، حيث يؤدي كل منهما دوره في بناء الأسرة والمجتمع والدولة، كما أن استنساخ نماذج جاهزة من مجتمعات أخرى دون مراعاة الخصوصية الثقافية والدينية والاجتماعية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، كما نرى على ارض الواقع كيف ادت قضية التمكين دون مراعاة خصوصية المجتمع من ضرب لاساسيات الاسرة وبالتالي اساسيات المجتمع.
ان التمكين الناجح للمرأة هو الذي ينطلق من احتياجات المجتمع نفسه وليس غيره، ويستند إلى قيمه، ويعالج التحديات الواقعية التي تواجه المرأة في هذا المجتمع، سواء في المدن أو الأرياف أو البوادي، ولا ينبغي أن يُقاس نجاح تمكين المرأة بعدد المناصب التي تشغلها فقط، بل بمدى قدرتها على اتخاذ القرار الصحيح، والإبداع، والإنتاج، ثم المشاركة في صناعة المستقبل، مع الحفاظ على توازنها الأسري والاجتماعي اولا واخيرا. فالمرأة ليست مجرد رقم في إحصائية، بل شريك أساسي في التنمية وصناعة الأجيال.
ويبقى التحدي الأكبر هو الانتقال من الشعارات إلى النتائج، فكم من برامج رُفعت تحت عنوان التمكين، لكنها لم تُحدث تغييرًا حقيقيًا في حياة المرأة، لأنها انشغلت بالمظاهر أكثر من معالجة الأسباب الجذرية، مثل الفقر، والبطالة، وضعف التعليم، والعنف، وغياب فرص النمو المهني.
ان السؤال الملح عندما يطرح حول "تمكين المرأة... إلى أين؟" يجب (وبالضرورة) أن يقودنا إلى الهدف المنشود ويؤسس لرؤية واضحة: إلى مجتمع تُقاس فيه قيمة الإنسان بما يقدمه من علم وعمل وأخلاق، لا بجنسه؛ وإلى تمكين يعزز المسؤولية إلى جانب الحقوق، ويؤسس لشراكة متوازنة بين المرأة والرجل في بناء وطن قوي ومتماسك، عندها يصبح التمكين وسيلة لإطلاق الطاقات وتحقيق العدالة وخدمة الصالح العام، ويكون قد وصل إلى غايته الحقيقية التي نريد.