تعيش ايران اليوم في واد سياسي غير ذي زرع لا تنبت فيه إلا شجرة واحدة أُسميها : شجرة الهرمز. فقد نقلت ايران نفسها إلى محيط صحراوي يفتقر إلى مقومات المهارة السياسية والاستمرارية التفاوضية امام الجانب الأمريكي الذي أعطاها فرصة تاريخيّة للنجاة بنفسها. غير انها اختارت الصعود على شجرة الهرمز اعتقادا منها بان العالم كله لا يستطيع العيش بعيدا عن ثمارها وظلالها ، لتكتشف بعدها بانها اصبحت عاجزة عن النزول عن هذه الشجرة غير المثمرة.
لقد اخطأت ايران بنقضها لمذكرة التفاهم الموقعة مع الجانب الأمريكي (حسب تفسير ادارة الرئيس ترامب )، والتي كانت تضم عددا من البنود لصالح ايران وشعبها واقتصادها.واعتقدت القيادة الإيرانية بان لعب ورقة مضيق هرمز سيمكنها من جني مزيدا من التنازلات من الجانب الأمريكي. وآمنت القيادة الإيرانية ببعض التحليلات التي اعتبرت مضيق هرمز هو السلاح الأشد فتكا التي تمتلكه ايران .وفسرت رغبة الرئيس ترامب بإعطاء فرصة للتوصل إلى حل سلمي بانها ورطة اوجد الرئيس الأمريكي نفسه فيها. وغاب عن ذهنها بان السلاح الأشد فتكا قد ينقلب على صاحبه إذا ما أساء استخدامه.
فقد كانت ايران في موقع تفاوضي افضل بكثير قبل استئنافها ضرب السفن التي تعبر المضيق . واستطاعت ان تأجل بعض المطالب الامريكية الملحة مثل الملف النووي وغيرها من القضايا التي قامت عليها الحرب. ولكن القيادة الإيرانية اختارت تفسيرات ملتوية لبعض بنود التفاهم وبالأخص البند المتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز. واعتقدت بان هذه الفقرة بالذات نتيح لها استمرار التحكم بالمضيق كله حتى في الممرات المائية الاخرى الموجودة فيه. ولم يدر بخلدها ان التحكم بالمضيق أمرا مرفوضا ليس امريكياً فقط بل اقليميا ودوليا.
لقد بات جلياً ان مركز الثقل السياسي والعسكري الإيراني والمتمثل بالحرس الثوري يعتبر شجرة الهرمز هي الورقة الاقوى تفاوضيا وان التحكم فيها سيجبر الولايات المتحدة وبقية دول العالم على التساهل في القضايا الخلافية الاخرى مثل القدرة النووية والصاروخية وحلفائها في المنطقة . ولكن الرد الأمريكي المتمثل باستئناف الحصار البحري وضرب المقدرات العسكرية الإيرانية على طول ساحل المضيق قد أفشل الحلم الإيراني لما له من تأثير ضاغط على معيشة الشعب الإيراني عبر منع تصدير نفط ايران مما يحرمها من المقدرات المالية اللازمة. وكأن جواب الولايات المتحدة على الخروقات الإيرانية يقول بانه على ايران أن تتجرع من نفس السم الذي حاولت دسه الى بقية الدول الواقعة على شواطئ المضيق.
وفي جهة متصلة، فانه لا يمكن الركون إلى صفاء نية واهداف الولايات المتحدة من شن الحرب. فمن المتوقع أن للولايات المتحدة أهدافا ومصالح قومية عليا تتجاوز الحدود الجغرافية للمضيق وتصل إلى حدود الصين لا وبل أبعد من ذلك وهذا موضوع يتعدى حدود هذا المقال.
من الواضح أن الموقف الإيراني من المفاوضات ومحاولاتها تهديد الملاحة في المضيق قد جاء بنتائج عكسية عليها مطبقة المثل القائل وعلى نفسها جنت براقش. وهذا يعود إلى سوء تقدير الموقف لأصحاب القرار والذين هم بالتأكيد ليسوا اعضاء وفدها المفاوض بل اصحاب العمائم الدينية وأصحاب البزات العسكرية.
لقد ادى التخبط السياسي الإيراني والذي انعكس على الأداء التفاوضي ، وكذلك تدمير واضعاف قدرات ايران العسكرية إلى حالة من اليأس والهروب إلى الأمام عبر تصويب ما تبقى لديها من أسلحة الى دول لم تشارك في الحرب ضدها. ويبلغ العجز والخوف الإيراني مداه عندما تقوم الولايات المتحدة بضرب ايران عسكريا وهي لا تتمكن من الرد إلا على جيرانها وتخشى الرد على البوارج الأمريكية وعلى اسرائيل التي يحتشد في مطاراتها أسطول كبير من الطائرات الأمريكية المخصصة للتزود بالوقود ؛ متناقضة بذلك مع سياستها القائمة على ضرب القواعد التي تنطلق منها الهجمات الامريكية عليها ، وكأن الحشود في تل ابيب لا تعنيها ولكنها بالتأكيد تعني خوف وعجز إيراني من ردة الفعل الاسرائيلية المحتملة.
لم يعد امام ايران خيارات كثيرة سواءا سياسيا او عسكريا. وفقدت السردية الإيرانية مصداقيتها لحد كبير خصوصا امام الشعوب العربية . ولم تعد التبريرات الإيرانية بضرب القواعد الأمريكية في الدول العربية تجدي نفعا. ومما يثير السخرية البيانات التي يصدرها الحرس الثوري بانه لا يستهدف الشعوب العربية (الحبيبة). ولم تستوعب ايران سياسة الحكمة وضبط النفس التي مارستها الدول العربية حيال الاعتداءات الإيرانية المتكررة على سيادتها ومقدراتها ، حيث تمثل الاعتداءات الإيرانية حاليا الطلقة الأخيرة في الجعبة الإيرانية التي فقدت بوصلتها.
لا يمكن للدول العربية التي تتعرض للضربات الإيرانية الاستمرار في اتباع سياسة الحكمة والتروي ازاء الاعتداءات الإيرانية الغاشمة. ولم تعد مقولة أن هذه الحرب ليست حرب الأمة العربية صحيحة على ارض الواقع. فقد رُفع عن الأمة العربية الحرج بعد توقف إسرائيل ، ولو مؤقتا ، عن مهاجمة ايران. واكد السلوك الإيراني بان القيادة هناك تناصب العداء للامة العربية وتمارس سياسة التنمر في المنطقة بتجنب الرد على من يضربها وضرب من يهادنها. صحيح ان ايران لم تبدأ الحرب وأنها تعرضت إلى اعتداء أمريكي اسرائيلي ولكن مجريات الحرب اثبتت ان ايران تستقوي على الأمة العربية وتتجنب الحرب الشاملة مع الولايات المتحدة واسرائيل.
لا يدعو هذا المقال إلى إعلان الحرب على ايران ولكنه يدعو إلى رد فعل عربي موحد تجاه اي اعتداء إيراني على اي دولة عربية عبر انشاء قوة ردع عربية تحت قيادة موحدة تتمركز في دول الخليج العربية تكون مهمتها الرد الفوري وبالمثل على اي قصف او ضرب إيراني على اي من دولها. فقد انتهى وقت المجاملة السياسية العربية التي لم تفهما ايران وتغيرت الظروف التي كانت تمنع الدول العربية من الرد.
لقد آن الأوان لتدرك ايران بان شجرة هرمز ليست شجرة نجاة بل شجرة عزلة سياسية واقتصادية . فقد رفعت الأقلام وجفت الصحف وأصبح لزاما على الدول العربية ان تبني قوة ردع إقليمية موحدة ، ولا تنتظر حتى تدرك ايران إن شجرة الهرمز ليست طريقا للقوة بل غدت عنوانا للعزلة السياسية والاقتصادية.