الدين العام .. والمواطن أسير الاقتراض
محمد مطلب المجالي
04-10-2026 03:51 PM
لم يعد الدين العام مجرد أرقام تُعرض في التقارير الاقتصادية، ولا الاقتراض مجرد قروض تُوقّع ثم تُضاف إلى دفاتر الدولة؛ فحين يتراكم الدين وتتسع كلفة خدمته، يصبح المواطن شريكًا في دفع الثمن، وإن لم يكن شريكًا في صناعة القرار.
المشكلة ليست في الاقتراض عندما يكون ضرورة مؤقتة، وموجهًا إلى الإنتاج والتنمية وخلق فرص العمل، وإنما في أن يتحول الاقتراض إلى سياسة دائمة لسد العجز وتمويل النفقات، فيما تبقى أسباب الاختلال الاقتصادي قائمة، وتتراجع قدرة المواطن على مواجهة أعبائه اليومية.
ورغم كل التحليلات الاقتصادية التي يقدمها ذوو الاختصاص، وكثرة الدراسات والتشخيصات والتحذيرات، ما تزال الأزمات تتناسل، والاختلالات تتسع، والدخل يتآكل، وكأننا ندور في الحلقة ذاتها؛ نُشخّص المرض بإسهاب، لكننا لا نصل إلى العلاج الذي يلمسه المواطن في حياته اليومية.
ومع كل برنامج إصلاح اقتصادي، يجد المواطن نفسه أمام معادلة صعبة: أسعار ترتفع، ودخول تتآكل، وضرائب ورسوم تثقل كاهله، فيما يُقال له إن هذه الإجراءات ضرورية للخروج من الأزمة. وهنا يبرز السؤال: إلى متى يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف في كل وصفة اقتصادية؟
أما العلاقة مع البنك الدولي والمؤسسات المالية الدولية، فلا ينبغي أن تُفهم باعتبارها خصومة أو صراعًا، لكن المطلوب أن تكون للدولة رؤيتها وأولوياتها الوطنية، وأن تظل المصلحة الوطنية هي البوصلة. فالتعاون المالي لا ينبغي أن يتحول إلى ارتهان للقرار الاقتصادي، ولا إلى وصفات تُطبّق بمعزل عن ظروف المجتمع وقدرته على الاحتمال.
المواطن لا يريد أرقامًا مطمئنة على الورق بقدر ما يريد حياة أقل قسوة؛ يريد عملًا، ودخلًا يحفظ كرامته، وأسعارًا يمكن احتمالها، وخدمات عامة توازي ما يدفعه من ضرائب ورسوم.
لقد طال زمن معالجة الاختلالات بالمسكنات، بينما يحتاج الاقتصاد إلى إصلاح حقيقي يبدأ من الإنتاج، ويواجه الهدر، ويعالج مواطن الخلل، ويخلق فرص العمل، ويضع حدًا لدوامة الاقتراض المتكرر.
فالدولة التي تستدين لتغطي عجزها، ثم تستدين لتسدد ديونها، تدخل في دائرة لا تنتهي؛ دائرة يصبح فيها قرار اليوم مرهونًا باستحقاقات الأمس، وتصبح أجيال الغد مطالبة بدفع ثمن قرارات لم تشارك في صناعتها.
وحين يصبح الاقتراض نهجًا لا أداةً استثنائية، وحين تتحول شروط الإصلاح إلى أعباء تُلقى على كاهل المواطن، فإن السؤال لم يعد: كم اقترضنا؟ بل: ماذا بقي من استقلال قرارنا الاقتصادي؟ ومن يدفع ثمن هذا الدين؟
إن أخطر ما في الدين العام ليس رقمه وحده، بل أن يتحول من وسيلة لتمويل التنمية إلى قيدٍ على القرار، ومن أداة مؤقتة إلى تبعية دائمة، ومن مسؤولية الدولة إلى فاتورة يدفعها المواطن من قوته وكرامته ومستقبل أبنائه.
المواطن لا يجوز أن يكون الضامن الوحيد لسياسات لم يُستشر فيها، ولا أن يبقى أسيرًا لدينٍ يتضخم، بينما تتراجع قدرته على العيش الكريم.
فالدول لا تُقاس فقط بحجم ما تستطيع أن تقترض، وإنما بقدرتها على أن تنتج، وأن تستغني تدريجيًا عن الاقتراض، وأن تحمي قرارها الاقتصادي، وأن تضع المواطن في مقدمة أولوياتها لا في آخر قائمة من يدفعون الثمن.
وحين يصبح الدين هو الذي يحدد خيارات الدولة، لا الدولة هي التي تحدد كيف تستخدم الدين، فاعلم أن المسألة لم تعد أزمة مالية فحسب... بل أصبحت أزمة في استقلال القرار، ومستقبل وطن بأكمله.