من سماء أبوظبي: أكثر من 54 ساعة لتصوير سديم "ثعلب النار"
05-10-2026 10:43 AM
عمون - بعد تصوير تجاوز 54 ساعة، نجح مرصد الختم الفلكي التابع لمركز الفلك الدولي والكائن في صحراء أبوظبي في تصوير سديم كوكبي مميز يعرف باسم "سديم ثعلب النار" (Firefox Nebula)، وقد جاءت هذه التسمية بسبب شكله اللافت الذي يشبه إلى حد كبير شعار متصفح الإنترنت الشهير "فايرفوكس"، إذ يظهر الجزء الأكثر سطوعًا من السديم على هيئة قوس ملتف، في حين تمتد خلفه غازات أكثر خفوتًا تكمل الشكل المميز للسديم.
ويقع سديم ثعلب النار في مجموعة "ذات الكرسي"، على مسافة تقارب 2770 سنة ضوئية من الأرض، وهو من السدم الكوكبية القديمة والمتطورة. وعلى الرغم من التسمية، فإن السدم الكوكبية لا علاقة لها بالكواكب، وإنما تمثل مرحلة متقدمة من حياة النجوم ذات الكتل المنخفضة والمتوسطة، ومنها النجوم القريبة في كتلتها من الشمس. فعندما يصل مثل هذا النجم إلى المراحل الأخيرة من حياته، يفقد جزءًا كبيرًا من طبقاته الخارجية ويقذفها إلى الفضاء، بينما يبقى في المركز قلب النجمة الساخن، والذي يتطور لاحقًا ليصبح قزمًا أبيض.
ويعد شكل سديم ثعلب النار غير المعتاد من أكثر خصائصه إثارة للاهتمام، فهو لا يظهر كحلقة منتظمة ومتجانسة كما هو الحال في العديد من السدم الكوكبية، بل يظهر أحد جوانبه شديد السطوع ومليئًا بالخيوط الغازية، بينما يبدو الجانب المقابل خافتًا جدًا، وتمتد خلفه مادة غازية ضعيفة السطوع على هيئة ذيل طويل.
ويرتبط هذا الشكل الغريب بحركة النجم المركزي والسديم عبر الغاز الموجود بين النجوم. فمع حركة النجم، تصطدم المادة التي قذفها في الفضاء بالوسط بين النجمي في جهة الحركة، مما يؤدي إلى ضغط الغاز وزيادة كثافته وتكوين القوس اللامع الذي يهيمن على الصورة، في حين تنجرف أجزاء من المادة في الاتجاه المعاكس مكونة منطقة وذيلًا أكثر خفوتًا. وتشير نماذج حاسوبية درست شكل السديم إلى أن سرعة حركة النجم بالنسبة للوسط المحيط قد تبلغ نحو 125 كيلومترًا في الثانية.
وأظهرت الدراسات العميقة للسديم أن القوس اللامع ليس كل السديم، إذ توجد في الجهة المقابلة له بنية قوسية خافتة تكمل حلقة السديم، ويتبعها ذيل غازي واسع وخافت للغاية. ويصل الامتداد الكلي لهذه التراكيب إلى نحو 15 دقيقة قوسية في السماء، وتشير إحدى الدراسات التفصيلية إلى أن عمر السديم يبلغ نحو 22 ألف سنة.
وقد تم تصوير سديم ثعلب النار باستخدام التلسكوب الرئيسي لمرصد الختم الفلكي بقطر 14 إنش، مزودًا بكاميرا أحادية اللون. ونظرًا لخفوت السديم ووجود التلوث الضوئي في منطقة الرصد، استخدمت ثلاثة مرشحات ضيقة النطاق تسمح بالتقاط الضوء الصادر عن ثلاثة عناصر رئيسية في الغاز، وهي الهيدروجين والأكسجين والكبريت.
وبلغ إجمالي زمن التعريض للصورة النهائية 54 ساعة و12 دقيقة، ناتجة عن تجميع وتكديس 1084 صورة، مدة التعريض لكل واحدة منها ثلاث دقائق. والتقطت 217 صورة باستخدام مرشح الهيدروجين، بإجمالي 10 ساعات و51 دقيقة، و393 صورة باستخدام مرشح الأكسجين، بإجمالي 19 ساعة و39 دقيقة، إضافة إلى 474 صورة باستخدام مرشح الكبريت، بإجمالي 23 ساعة و42 دقيقة.
ويظهر اللون الأحمر في الصورة انبعاثات غاز الهيدروجين، بينما يمثل اللون الأزرق انبعاثات الأكسجين، ويمثل اللون البرتقالي انبعاثات الكبريت. ويساعد فصل هذه الانبعاثات على إظهار اختلاف توزيع الغازات داخل السديم، كما يبرز بصورة أوضح الخيوط والقوس اللامع والتراكيب الخافتة المحيطة به.
ويعد سديم ثعلب النار مثالًا واضحًا على أن شكل السديم لا تحدده المادة التي يقذفها النجم وحدها، فالبيئة المحيطة وحركة النجم عبر الفضاء يمكن أن تغير شكل هذه المادة بصورة كبيرة. وفي حالة هذا السديم، أدى التفاعل المستمر مع الوسط بين النجمي إلى ضغط المادة في جهة الحركة وسحب جزء من الغاز خلف النجم، لينتج في النهاية الشكل غير المتناظر والمميز الذي يظهر في الصورة.