facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




سردية القبائل الأردنية عبر التاريخ (14000 سنة)


د. أحمد عويدي العبادي
05-10-2026 11:05 AM

نموذج // ثورات بني حميدة ومواجهاتهم مع الإدارة العثمانية

ومن أبرز الأحداث التي تكشف طبيعة الصراع بين القبائل الأردنية والإدارة العثمانية في شرقي الأردن سلسلة المواجهات التي خاضتها قبيلة بني حميدة، التي تنسب في روايتها التاريخية إلى جذام، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

ولم تكن هذه المواجهات حادثة منفردة أو انتفاضة عابرة، وإنما جاءت في سياق طويل من التوتر بين القبيلة والدولة العثمانية، التي أخذت تعمل بصورة متزايدة على توسيع نفوذها الإداري والمالي والعسكري، وفرض أدواتها في مناطق كانت تتمتع فيها القبائل بهامش واسع من الاستقلال وإدارة شؤونها المحلية وفق أعرافها وتقاليدها.

ولذلك فإن مقاومة بني حميدة لم تكن مجرد اعتراض على إجراء إداري أو ضريبة بعينها، بل كانت، في جانب مهم منها، دفاعًا عن الأنفة التي عُرفت بها القبائل الأردنية بعامة، وبنو حميدة بخاصة، ودفاعًا عن الكرامة والاعتزاز بالنفس وحق القبيلة في أن تدير شؤونها وتحافظ على نمط حياتها ومجال نفوذها واستقلالها المحلي.

فقد وجدت القبيلة نفسها أمام سلطة مركزية عثمانية أخذت تسعى بصورة متزايدة إلى إحكام قبضتها على المنطقة، وفرض أدواتها الإدارية والمالية والعسكرية على قبائل اعتادت أن تكون لها كلمتها في شؤونها الداخلية. ومن هنا اكتسب الرفض معنى يتجاوز مسألة الضريبة أو الإجراء الإداري، ليصبح دفاعًا عن الكرامة والحرية المحلية ورفضًا لما اعتبرته القبيلة تغولًا في سلطة الدولة وتجاوزًا لما استقر عليه عرفها وتقاليدها.

وتكتسب هذه الوقائع أهمية خاصة لأنها سبقت ثورة الكرك سنة 1910 بعقود، وكشفت في وقت مبكر عن الصعوبة التي واجهتها الإدارة العثمانية في إخضاع بعض مناطق شرقي الأردن بصورة كاملة لنظامها المركزي، كما تكشف أن التوتر بين القبائل والسلطة لم يبدأ عشية ثورة الكرك، وإنما كان له تاريخ طويل من المواجهة والتفاوض والتسويات وإعادة تجدد الصدام.

وتشير بعض المصادر إلى وجود مواجهة عثمانية مع بني حميدة سنة 1867، وهو ما يدل على أن العلاقة بين الطرفين لم تكن مستقرة منذ ذلك الوقت، وأن مقاومة إجراءات الدولة لم تبدأ فجأة في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر. وتذكر دراسة حديثة قائمة على السجل الأرشيفي أن بني حميدة كانوا قد دخلوا في علاقة صدامية مع مشاريع السلطة العثمانية، ولا سيما محاولات مسح الثروة الحيوانية وتقدير الضرائب، وأن الدولة لجأت إلى حملات عسكرية لإجبارهم على الخضوع، ومن بينها حملة سنة 1867 ثم الحملة الأشد شهرة سنة 1889.

ولم تتوقف المواجهات عند واقعة «صباح الهروط»، إذ تذكر الروايات المحلية وقوع مواجهات أخرى في منطقتي الذهيبة والثمد، عندما تحركت قوة عثمانية أكبر باتجاه مواقع بني حميدة في محاولة لإخضاعهم وإجبارهم على الاستجابة لمطالب الإدارة العثمانية. ودارت المواجهة في محيط الأراضي الزراعية، وتمكن بنو حميدة من الاستفادة من طبيعة الأرض والحقول المحيطة بمواقع القتال.

وتروي الذاكرة المحلية أن النار أُضرمت في حقول القمح اليابسة بعد دخول القوات العثمانية إليها، فانتشرت النيران في محيط القوة، وأصابت الجنود العثمانيين بالارتباك، وألحقت بهم خسائر، وأعاقت قدرتهم على مواصلة التقدم والمناورة. وأمام هذه الظروف اضطرت القوة العثمانية إلى التراجع والانسحاب من المنطقة، بينما بقي بنو حميدة في مواقعهم.

وتكتسب هذه الواقعة أهميتها من أنها جاءت ضمن سلسلة متتابعة من المواجهات التي أظهرت صعوبة إخضاع بني حميدة بالقوة، ورسخت في الذاكرة المحلية صورة القبيلة باعتبارها من القوى المحلية التي استطاعت مقاومة الحملات العثمانية والحفاظ على قدر من استقلالها في مواجهة محاولات الإدارة المركزية بسط نفوذها الكامل على المنطقة.

ولم تتوقف المواجهات عند «صباح الهروط»، إذ تذكر الروايات المحلية أيضًا وقائع الذهيبة والثمد، حيث تحركت قوة عثمانية أكبر لمعاقبة بني حميدة وإجبارهم على الخضوع. وترتبط هذه الوقائع في الذاكرة المحلية باستخدام البيئة الزراعية نفسها في القتال، إذ أُشعلت النار في حقول القمح اليابسة بعد دخول القوة العثمانية إليها، مما ألحق بها خسائر وأجبرها على الانسحاب. وقد أسهمت هذه المواجهات المتكررة في ترسيخ صورة بني حميدة باعتبارهم من أكثر الجماعات المحلية قدرة على مقاومة الحاميات العثمانية.

ثم جاءت سنة 1889 باعتبارها الذروة الأوضح في هذا المسار. فقد كانت الإدارة العثمانية تحاول في تلك الفترة تشديد قبضتها على السكان، وفرض الضرائب والتعداد وتوسيع أدوات الجباية والإدارة. وتوضح وثيقة منشورة من ملف يتعلق بالواقعة أن والي سورية جهز في تموز 1889 قوة بقيادة فوزي باشا، قائد الجندرمة في ولاية سورية، ومعه قائمقام السلط وقوات نظامية وفرسان من الجندرمة، وتوجهت الحملة إلى منطقة بني حميدة قرب ذيبان. وتشير الوثيقة إلى أن شيوخ بني حميدة أبلغوا فوزي باشا بعدم قدرتهم على دفع المبلغ المطلوب كاملًا، وعرضوا دفع اثني عشر ألف قرش، في حين كانت الدولة تطالب بمبلغ أكبر.

وتحول الخلاف المالي إلى مواجهة عسكرية عندما علم بنو حميدة بتحرك القوة العثمانية، فاستعدوا لمواجهتها واستنجدوا بحلفائهم من العشائر المجاورة. وتذكر الوثيقة أنهم تجمعوا في ذيبان بأكثر من ألف فارس، ثم تحرك الطرفان نحو وادي الموجب، حيث وقعت المعركة. وتقدم لنا هذه الرواية الرسمية صورة مختلفة قليلًا عن بعض الروايات الشعبية التي تصف المواجهة بوصفها انتصارًا حاسمًا لبني حميدة؛ إذ تذكر الوثيقة أن القوة العثمانية تمكنت من التغلب على الجمع المهاجم، وأن بني حميدة أعلنوا بعد ذلك طاعتهم ودفعوا الضرائب المستحقة، ثم اصطحب فوزي باشا عددًا من شيوخهم إلى السلط وأكرمهم في محاولة لتهدئة الوضع واستعادة العلاقة مع القبيلة.:
وهنا تظهر أهمية المقارنة بين المصادر، ولكن المقارنة لا تعني بالضرورة وضع الرواية الشعبية والرواية الرسمية في كفة واحدة من حيث طبيعة الشهادة وآلية تكوّنها. فالرواية الشعبية في المجتمع القبلي لم تكن مجرد حكاية يرويها شخص ثم تنتشر بلا ضابط، وإنما كانت في كثير من الأحيان رواية تتناقلها جماعة من الناس، ويكون حول الواقعة شهود عيان يعرفون تفاصيلها، ويعرفون من شارك فيها ومن ثبت في الميدان ومن تراجع ومن أظهر شجاعة ومن أخفق.

ولذلك فإن ادعاء الفروسية أو البطولة لم يكن أمرًا سهلًا يستطيع أي شخص أن ينسبه إلى نفسه دون أن يكون قد استحقه بالفعل، لأن المجتمع المحيط به كان يعرف الحقيقة، والقبائل الأخرى كانت تراقب الأحداث وتنقل أخبارها، وكان الشعراء قادرين على تخليد البطولة أو كشف الجبن والهزيمة في أشعارهم.

ولهذا كان للفروسية في المجتمع القبلي معيار اجتماعي صارم؛ فالرجل لا يستطيع أن يصف نفسه بالفارس الشجاع إذا كان الناس يعرفون أنه لم يكن كذلك. وإذا بالغت قبيلة في وصف انتصارها أو أخفت هزيمتها، فإن خصومها كانوا قادرين على الرد عليها وتفنيد روايتها، وكان شعراء القبائل يستطيعون تحويل المبالغة إلى مادة للهجاء والسخرية.

ومن هنا كانت الرواية الشعبية تخضع، بصورة غير مباشرة، لما يمكن تسميته «رقابة الذاكرة الجماعية». وهذه الرقابة لا تجعل كل ما في الرواية الشعبية صحيحًا بالضرورة، لكنها تجعل من الصعب أحيانًا اختراع بطولة كاملة لا أصل لها أو تحويل هزيمة واضحة إلى انتصار من دون أن تواجه الرواية المضادة من شهود وخصوم ومجتمعات مجاورة.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم استمرار بعض أخبار المعارك والانتصارات في الذاكرة الشعبية لعشرات السنين، وانتقالها من جيل إلى آخر، ليس لمجرد أنها حكايات جميلة، وإنما لأنها ارتبطت بأسماء أشخاص ومواقع وأحداث يعرفها أهل المنطقة. وقد تكون التفاصيل قد تغيرت مع مرور الزمن، وقد تضيف الذاكرة بعض العناصر أو تسقط أخرى، لكن أصل الواقعة قد يظل ثابتًا في الوعي الجماعي بسبب كثرة من عرفوها أو سمعوا بها من أصحابها المباشرين.

وفي المقابل، فإن التقرير الرسمي له طبيعته الخاصة أيضًا. فالقائد الميداني الذي يرفع تقريرًا إلى رؤسائه لا يكتب بالضرورة كما يروي الشاهد الشعبي ما رأى. إنه يكتب داخل مؤسسة عسكرية وإدارية لها تسلسل هرمي، وقد تكون لديه مصلحة في إظهار أن العملية حققت أهدافها، وأن قواته أدت واجبها، وأن الخسائر كانت محدودة، وأن الخصم أُخضع أو اضطر إلى طلب الصلح. ولا يعني ذلك أن كل تقرير رسمي كاذب، ولكنه يعني أن علينا أن نقرأه مع إدراك الظروف التي أنتجته والجهة التي كتب إليها والغاية التي كتب من أجلها.

وقد يكون القائد الذي تعرض لقوة محلية شرسة أمام خيار صعب عندما يرفع تقريره: فهو لا يستطيع بسهولة أن يقول لرؤسائه إن قواته انهزمت أو فقدت السيطرة على الميدان، لأن مثل هذا الاعتراف قد يحمّله مسؤولية سياسية أو عسكرية، وقد ينعكس على مكانته ومستقبله الوظيفي. ولذلك قد يلجأ التقرير إلى لغة مختلفة، فيصف الانسحاب بأنه إعادة انتشار، أو يصف التسوية بأنها نتيجة نجاح العملية، أو يبرز قبول الخصم بدفع الضرائب بوصفه دليلًا على خضوعه، حتى لو كانت الوقائع الميدانية أكثر تعقيدًا من ذلك.

ولهذا لا ينبغي أن نقرأ الوثيقة الرسمية باعتبارها كذبًا محضًا، وإنما باعتبارها رواية أنتجتها مؤسسة لها أهدافها ومصالحها ولغتها الخاصة. وقد تحتوي الوثيقة على معلومات دقيقة جدًا عن تحركات القوات وأسماء القادة والتواريخ والمواقع والمفاوضات، لكنها قد تكون أقل دقة عندما يتعلق الأمر بتقييم النتيجة العسكرية أو حجم الخسائر أو مستوى المقاومة التي أبداها الطرف الآخر.

وفي حالة بني حميدة، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة؛ لأننا أمام مجتمع كانت الذاكرة فيه مرتبطة بالمكان والأشخاص والقبائل، بينما كانت الإدارة العثمانية تنظر إلى الحدث من خلال منطق الدولة والضرائب والجباية وإخضاع المنطقة. ولذلك قد تصف الرواية المحلية المعركة بوصفها انتصارًا لبني حميدة وإهانة للقوة المهاجمة، بينما يصف التقرير الرسمي النتيجة باعتبارها نجاحًا للحملة وإجبارًا للقبيلة على التسوية. وبين الروايتين ينبغي ألا نتعجل اختيار واحدة وإسقاط الأخرى، بل أن نسأل: ماذا حدث في الميدان فعلًا؟ ومن الذي تراجع؟ ومن الذي بقي في موقعه؟ وما حجم القوة التي دخلت المعركة؟ وما الذي حدث بعد انتهائها؟ وهل كانت التسوية نتيجة انتصار عسكري أم نتيجة تفاوض اضطر الطرفان إليه بعد أن أدرك كل منهما حدود قدرته؟

وقد تكون الحقيقة التاريخية أحيانًا موجودة في المسافة بين الروايتين. فقد تخسر قوة عثمانية معركة أو تتراجع ميدانيًا، ثم تنجح الدولة بعد ذلك في فرض تسوية مالية أو إدارية من خلال التفاوض أو إرسال قوة أكبر. وفي هذه الحالة لا يكون وصف القبيلة للمواجهة بوصفها انتصارًا كاذبًا بالضرورة، ولا يكون وصف الإدارة للتسوية بوصفها نجاحًا إداريًا كاذبًا بالضرورة؛ وإنما يكون كل طرف قد حفظ من الحدث الجزء الذي يثبت موقفه.

ومع ذلك، فإن للرواية الشعبية قيمة لا يجوز التقليل منها، ولا سيما عندما تتكرر من مصادر مستقلة داخل المجتمع نفسه، وتتطابق في أسماء المواقع والأشخاص وتسلسل الأحداث، وتكون مدعومة بشواهد أخرى. فانتشار الرواية بين الناس واستمرارها عبر أجيال يدل على أن الحدث ترك أثرًا حقيقيًا في الذاكرة الجمعية، حتى لو احتاجت تفاصيله إلى التحقق والمقارنة.

وهنا أيضًا تأتي أهمية الشعر القبلي. فالشعر لم يكن مجرد وسيلة للمدح، وإنما كان في كثير من الأحيان سجلًا اجتماعيًا للأحداث، يستطيع أن يرفع من شأن رجل أثبت فروسيته، كما يستطيع أن يهجو من ادعى ما لم يفعله. ولذلك كان الشعراء، بصورة غير مباشرة، جزءًا من آلية التحقق الاجتماعي من أخبار المعارك. وإذا انتشرت قصيدة تمدح فارسًا أو قبيلة، ثم قبلتها القبائل الأخرى ولم تظهر رواية مضادة تنقضها، فإن ذلك لا يجعلها وثيقة عسكرية بالمعنى الحديث، لكنه يمنحها قيمة باعتبارها شاهدًا على ما استقر في الذاكرة الاجتماعية عن الحدث.

ومن هنا فإن الرواية الشعبية لا ينبغي أن تُرفض لمجرد أنها شعبية، كما لا ينبغي أن تُقبل لمجرد أنها متوارثة. وكذلك لا ينبغي أن تُقبل الوثيقة الرسمية لمجرد أنها صادرة عن الدولة، ولا أن تُرفض لمجرد أنها صادرة عن مؤسسة عسكرية. المنهج الأفضل هو أن نقرأ كل مصدر بحسب طبيعته، وأن نسأل عن الظروف التي أنتجته، ومن كتبه، ولمن كتبه، وما مصلحته في رواية الحدث بهذه الطريقة.

وفي حالة بني حميدة تحديدًا، فإن اجتماع الذاكرة الشعبية مع أسماء المواقع وتواتر أخبار المعارك والشهادات المحلية من جهة، ومع التقارير والوثائق العثمانية من جهة أخرى، يتيح لنا فرصة نادرة لإعادة بناء الأحداث بصورة أقرب إلى الواقع. وقد يكون من أهم الأسئلة ليس «من صدق ومن كذب؟»، وإنما «لماذا احتفظ كل طرف بهذه الصورة من الحدث؟». فالرواية الشعبية تحفظ بطولة القبيلة وكرامتها، بينما تحفظ الرواية الرسمية هيبة الدولة ونجاحها. وبين هذين البعدين يمكن للمؤرخ أن يبحث عن الحقيقة التاريخية التي لا تنتمي بالكامل إلى هذا الطرف أو ذاك.

ولذلك فإن انتشار الرواية الشعبية بين الناس لا ينبغي أن يُفسر فقط بحب القصص والبطولات، وإنما يمكن أن يكون دليلًا على قوة الذاكرة الجماعية، خصوصًا عندما تكون الواقعة قد شهدها عدد كبير من الناس أو بقيت مرتبطة بمكان معروف وأسماء محددة. أما الرواية الرسمية فقد تبقى في الأرشيف لأنها كتبت لأغراض إدارية، وقد لا تنتشر بين الناس لأنها لا تمثل بالضرورة الطريقة التي عاشوا بها الحدث أو تذكروه.

وفي النهاية، فإن قوة الرواية الشعبية في هذه الحالات لا تأتي من كونها شعبية، وقوة الوثيقة الرسمية لا تأتي من كونها رسمية. القيمة تأتي من قدرتنا على اختبار كل واحدة منهما ومقارنتها بالأخرى وبالمصادر الثالثة. وإذا تعارضت الرواية الشعبية مع التقرير الرسمي، فإن التعارض نفسه يصبح مادة تاريخية مهمة؛ لأنه يكشف أن المعركة لم تكن فقط بين بني حميدة والقوات العثمانية في الميدان، وإنما أصبحت بعد انتهائها معركة أخرى على الذاكرة: كل طرف يريد أن يرويها بالطريقة التي تحفظ له كرامته أو هيبته.

وليس من الضروري أن نختار إحدى الروايتين ونلغي الأخرى؛ فالحادثة في حقيقتها تبدو أكثر تعقيدًا من أن تختزل في عبارة «انتصار» لطرف أو «هزيمة» للطرف الآخر. فالمؤكد أن المواجهة وقعت، وأنها كانت ذات شأن كبير إلى درجة دفعت الإدارة العثمانية إلى حشد قوة عسكرية بقيادة مسؤول رفيع، وأن بني حميدة لم يكونوا مستعدين للقبول بالمطالب العثمانية دون مقاومة.

وقد أظهروا في هذه المواجهات صلابة واضحة، وأبلوا بلاءً حسنًا في الدفاع عن أرضهم وكرامتهم وحقهم في رفض ما اعتبروه تجاوزًا لحدود السلطة وتغولًا على استقلالهم المحلي. ومن هذه الزاوية، فإن أهمية موقف بني حميدة لا تكمن فقط في نتيجة معركة بعينها، وإنما في قدرتهم على الوقوف في وجه سلطة مركزية أقوى منهم عسكريًا، ورفض الخضوع لها من دون مقاومة، وهو ما جعل مواجهاتهم مع الدولة العثمانية واحدة من الصفحات البارزة في تاريخ مقاومة القبائل الأردنية لمحاولات فرض السيطرة المركزية عليها.

والأهم أن المواجهة لم تنته تمامًا بانتهاء معركة 1889. فالوثيقة نفسها تشير إلى أن الشيخ علي سليمان اللوانسة عاد إلى محاولة إشعال الثورة ضد العثمانيين مرة أخرى، وهو ما يدل على أن المشكلة لم تكن مجرد خلاف على مبلغ مالي ينتهي بدفعه، بل كانت مرتبطة بأعمق من ذلك بعلاقة القبيلة بالسلطة وبحدود ما يمكن للإدارة المركزية أن تفرضه على مجتمع اعتاد إدارة جزء كبير من شؤونه بنفسه.

وكانت الضرائب أحد أبرز أسباب التوتر، لكن لا ينبغي اختزال القضية فيها وحدها. فقد ترافقت الجباية مع محاولات التعداد وتنظيم السكان والثروة الحيوانية، ومع التوسع في التجنيد والإدارة المركزية. وتشير الدراسات إلى أن بني حميدة قاوموا أيضًا محاولات الدولة إحصاء قطعانهم وتقدير ما يمكن أن تفرضه عليهم من ضرائب، وهو ما جعل العلاقة بين الطرفين علاقة صدامية متكررة.

وكان الموقع الجغرافي لبني حميدة عاملًا مهمًا في قدرتهم على مقاومة الحملات. فقد امتد وجودهم في مناطق وادي الموجب ووادي الوالة والهيدان، وهي مناطق تتصل بالبادية والريف والجبل وتضم تضاريس وعرة وأودية عميقة، الأمر الذي منح السكان المحليين معرفة دقيقة بالأرض وطرق الحركة فيها، في حين كانت الحملات الحكومية القادمة من مراكز الإدارة بحاجة إلى قوة عسكرية وإمدادات ومسالك مناسبة للتحرك. وحسب معرفة المؤلف (د احمد عويدي العبادي) ودراسته الميدانية وخبرته العشائرية فان بني حميدة ينتشرون في سائر ربوع الأردن وبخاصة محافظات الطفيلة والكرك ومادبا بأعداد كبيرة جدا , فضلا عن العائلات في سائر مناطق الأردن، مع ارتباط تاريخهم الثوري بصورة خاصة بجبال مؤاب وذيبان ووادي الموجب.

ومن هنا يمكن فهم أهمية ذيبان والموجب وماعين والذهيبة والثمد في تاريخ هذه المواجهات. فهذه لم تكن أسماء أماكن عابرة في رواية ثورة بني حميدة، وإنما كانت جزءًا من المجال الجغرافي الذي تحركت فيه القبيلة والقوات العثمانية. وكانت السيطرة على هذه المساحات تعني بالنسبة إلى الدولة القدرة على الجباية والوصول إلى السكان، بينما كانت بالنسبة إلى القبيلة مرتبطة بالأرض والمراعي والمحاصيل وطرق الحركة ومصادر المياه.

وقد أسهم تكرار مهاجمة الحاميات والمراكز العثمانية في تكوين سمعة خاصة لبني حميدة في الذاكرة الشعبية، وارتبط بهم لقب «ذبّاحة الدول»، والمقصود بـ«الدول» في هذا السياق المراكز والحاميات التابعة للدولة العثمانية. وينبغي التعامل مع هذا اللقب بوصفه جزءًا من حقيقة الذاكرة الشعبية التي تعكس صورة القبيلة عن نفسها وصورتها في محيطها، وليس بوصفه رقمًا إحصائيًا أو حكمًا تاريخيًا نهائيًا على حجم الخسائر التي أوقعتها بالحاميات العثمانية

واللافت أن هذه المواجهات سبقت ثورة الكرك «الهيّة» سنة 1910 بأكثر من عقدين، ومع ذلك تظهر صلات بين بني حميدة وأحداث الكرك اللاحقة. ففي ثورة الكرك، التي اندلعت بسبب جملة من إجراءات الدولة العثمانية، ومنها التعداد والتجنيد والضرائب، تذكر وثائق عثمانية مشاركة فرسان من بني حميدة والسليط في مهاجمة موظفي التعداد وقوة عسكرية عثمانية، كما تذكر اسم شيخ بني حميدة ضمن شيوخ ووجهاء جرى التواصل معهم أثناء الأزمة.

وهكذا فإن تاريخ بني حميدة في مواجهة الدولة العثمانية لا ينبغي أن يحصر في سنة 1889 وحدها. فلدينا إشارات إلى مواجهة في 1867، ثم واقعة صباح الهروط سنة 1887، ثم وقائع الذهيبة والثمد، ثم المواجهة الكبرى سنة 1889، ثم استمرار التوتر وعودة محاولات المقاومة، وصولًا إلى مشاركة أبناء بني حميدة في أحداث أوسع خلال ثورة الكرك سنة 1910. وهذا التسلسل يكشف عن تراكم تاريخي طويل، وليس عن انفجار مفاجئ.

ولم تكن مقاومة بني حميدة للإدارة العثمانية مقتصرة على المعارك والمواجهات في الأودية والسهول، وإنما دخلت في مراحل لاحقة من أشد مراحلها قسوة، عندما لجأت السلطة العثمانية إلى العقاب الجماعي والضغط على الأهالي لإجبار القبيلة على تسليم رجالها وقادتها. ومن أكثر الوقائع التي بقيت حاضرة في الذاكرة المحلية واقعة «مدعق العرب»، وهو موضع يقع بين منحدرات وادي الهيدان ووادي الموجب، ولا يزال الاسم معروفًا في المنطقة حتى اليوم.

وقد ارتبط اسم المكان، بحسب الرواية المحلية، بما فعلته القوات العثمانية عندما حاصرت مواقع بني حميدة وأقدمت على إحراق بيوت الشعر والمساكن، في محاولة للضغط على القبيلة وإجبارها على تسليم الشيخ علي سليمان اللوانسة، الذي أصبح أحد أبرز المطلوبين للسلطات بسبب مواقفه الرافضة للضرائب والتجنيد والإجراءات التي كانت الإدارة العثمانية تسعى إلى فرضها على القبيلة.

وتذكر الرواية الشعبية أن السلطات العثمانية نكلت بالسكان في منطقة «مدعق العرب» وأحرقت بيوت بني حميدة، وأن الهدف من ذلك كان الضغط عليهم لتسليم الشيخ علي اللوانسة.

وتكتسب هذه الواقعة أهمية خاصة لأنها تكشف انتقال الصراع من مواجهة عسكرية بين رجال القبيلة والقوات العثمانية إلى استخدام السكان ومساكنهم وسيلة للضغط السياسي والعسكري. فلم تعد القضية مجرد ضرائب أو تجنيد أو خلاف حول مقدار ما يجب دفعه للدولة، وإنما أصبحت مسألة كرامة وموقف ورفض للخضوع.

وفي مثل هذه الظروف وجد الشيخ علي اللوانسة نفسه أمام موقف بالغ الصعوبة: إما أن يبقى مختفيًا وتستمر السلطات في حصار أبناء قبيلته ومعاقبتهم، وإما أن يسلم نفسه ويتحمل هو نتيجة موقفه حتى يرفع عن قومه الأذى. وتقول الرواية المحلية إنه اختار الطريق الثاني، فسلّم نفسه إلى العثمانيين مقابل فك الحصار عن بني حميدة ووقف الضغط عن أبناء قبيلته.

ونُقل الشيخ علي اللوانسة بعد ذلك إلى دمشق، حيث أُعدم سنة 1911 مع عدد من الشيوخ والوجهاء. وترد في المصادر المحلية روايات متعددة حول محاكمته وإعدامه، إلا أن أصل إعدامه في سياق قمع السلطات العثمانية للثورة وملاحقة قادتها حاضر بقوة في الذاكرة التاريخية الأردنية. ومن هنا أصبح اسم علي اللوانسة مرتبطًا في الذاكرة الشعبية لدى الأردنيين والكركيين بعامة وبني حميدة بخاصة ليس فقط بالمواجهة مع العثمانيين، وإنما بفكرة التضحية بالنفس من أجل تخليص أبناء القبيلة من الحصار والعقاب.

وتتكرر صورة التضحية هذه بصورة أكثر مأساوية في قصة الشيخ منصور بن طريف، أحد أبرز رجال بني حميدة في أحداث ثورة الكرك سنة 1910. فقد شارك رجال بني حميدة في الثورة، وكان منصور بن طريف من أبرز قادتها، وبعد أن تمكنت القوات العثمانية بقيادة سامي باشا الفاروقي من استعادة السيطرة وقمع الثورة، أُسر عدد من شيوخ ورجال بني حميدة. وتذكر الرواية المحلية أن عدد الأسرى بلغ ثمانية وثلاثين رجلًا، وأن السلطات جعلت الإفراج عنهم مشروطًا بتسليم منصور بن طريف نفسه.

وفي هذه اللحظة اتخذ منصور بن طريف القرار الذي جعل اسمه يبقى في الذاكرة الشعبية بوصفه رجلًا قدّم نفسه لإنقاذ قومه. فقد سلّم نفسه للسلطات العثمانية، واضعًا مصيره في مقابل إطلاق سراح الرجال الذين وقعوا في الأسر. ولا ينبغي النظر إلى هذه الخطوة باعتبارها مجرد استسلام لقوة متفوقة، وإنما ينبغي وضعها في سياق القيم التي كانت تحكم الزعامة القبلية في ذلك الزمن؛ فالشيخ الذي يقود قومه لا يُنظر إليه على أنه صاحب سلطة فقط، وإنما باعتباره مسؤولًا عنهم، وعليه أن يتحمل عنهم تبعات الموقف عندما تشتد الأزمة.

وتؤكد الوثائق المتعلقة بثورة الكرك أن أحكامًا بالإعدام صدرت بحق عدد من شيوخ ووجهاء المنطقة، ومن بينهم منصور بن طريف، وتوجد وثائق عثمانية تتعلق بقرارات ديوان الحرب العرفي في حوران وبالمصادقة على أحكام الإعدام. وهذا يمنح أصل قضية منصور بن طريف أساسًا وثائقيًا يتجاوز حدود الرواية الشفوية.

أما التفاصيل المتعلقة بكيفية تنفيذ الحكم، ولا سيما الرواية التي تقول إن منصور بن طريف أُعدم شنقًا ثم أُلقي من أعلى قلعة الكرك إلى الوادي، فهي من أكثر عناصر القصة حضورًا في الرواية الشعبية والمحلية. وتذكر بعض المصادر المحلية تفاصيل إضافية عن تكرار محاولة الشنق ثم إلقائه من أعلى القلعة. غير أن هذه التفاصيل ينبغي أن تقدم للقارئ باعتبارها رواية متوارثة، مع الإشارة إلى وجود اختلاف في المصادر حول تفاصيل التنفيذ، بدل تحويلها إلى حقيقة قطعية لا تقبل النقاش.

ومهما يكن من اختلاف الروايات في التفاصيل، فإن الثابت أن منصور بن طريف كان من بين الذين صدرت بحقهم أحكام بالإعدام في سياق قمع ثورة الكرك، وأن اسمه بقي مرتبطًا في الذاكرة الأردنية بتلك الثورة وبمقاومة الإجراءات العثمانية. كما أن قصة تسليمه نفسه من أجل إنقاذ الأسرى من أبناء قبيلته أصبحت جزءًا أساسيًا من صورته في الذاكرة الشعبية، وهي صورة تتفق مع النموذج التقليدي للزعيم القبلي الذي يرى نفسه مسؤولًا عن قومه حتى في أشد الظروف.

وهنا تلتقي قصة علي اللوانسة مع قصة منصور بن طريف في معنى واحد: أن المواجهة مع السلطة العثمانية لم تنته عند حدود الميدان، وإنما امتدت إلى مواقف فردية دفع أصحابها حياتهم ثمنًا لمواقفهم. ففي «مدق العرب» أصبحت بيوت بني حميدة نفسها وسيلة للضغط على القبيلة، فاختار علي اللوانسة تسليم نفسه لإنقاذ قومه، وفي قصة منصور بن طريف أصبح الأسر الجماعي وسيلة لإجباره على الظهور، فاختار بدوره أن يقدم نفسه مقابل الإفراج عن الرجال الذين وقعوا في الأسر.

وتكشف هاتان القصتان عن وجه آخر للمقاومة لا يظهر دائمًا في كتب التاريخ التي تركز على المعارك وأعداد الجنود والنتائج العسكرية. إنها مقاومة الزعيم الذي يعرف أن معركته قد تنتهي بالسجن أو الإعدام، ومع ذلك يظل متمسكًا بموقفه، ويرى أن مسؤوليته تجاه قومه تقتضي ألا يتركهم يدفعون وحدهم ثمن المواجهة.

ولهذا بقيت أسماء علي اللوانسة ومنصور بن طريف حاضرة في الذاكرة المحلية، لا باعتبارهما مجرد مقاتلين شاركا في صدامات مع الدولة، وإنما باعتبارهما رمزين لمرحلة كان فيها مفهوم الكرامة والزعامة والوفاء للجماعة جزءًا أساسيًا من الحياة السياسية والاجتماعية في شرقي الأردن.

ومن هنا فإن «مدق العرب» ليس مجرد اسم لموضع جغرافي، ولا قصة حرق بيوت تنتمي إلى الماضي فحسب، بل شاهد على طبيعة الصراع الذي بلغ في بعض مراحله حد استخدام العقاب الجماعي لإخضاع مجتمع محلي. وكذلك فإن قصة منصور بن طريف ليست مجرد نهاية مأساوية لرجل شارك في ثورة، بل هي نافذة على طبيعة الزعامة في ذلك العصر، وعلى العلاقة بين الشيخ وقومه، وعلى الثمن الذي كان يمكن أن يدفعه من يتقدم الصفوف في مواجهة سلطة مركزية قوية.

ولهذا تستحق هذه الوقائع أن تدرج في تاريخ بني حميدة وثورة الكرك إلى جانب المعارك نفسها؛ لأنها تنقلنا من تاريخ السلاح إلى تاريخ الإنسان، ومن حركة القوات إلى مصائر الرجال والنساء الذين عاشوا نتائج تلك المواجهة. وهي أيضًا تفسر لماذا بقيت هذه الأحداث حية في الذاكرة الشعبية الأردنية حتى بعد مرور أكثر من قرن على وقوعها.

وللحديث بقية وتفاصيل تنشر لأول مرة في صفحات هذا الكتاب المهم ( عن بني حميدة وسائر القبائل الأردنية عبر 14000 سنة)

* دكتوراة من جامعة كامبريدج البريطانية 1982م





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :