لم تعد المنطقة أمام حرب يمكن انتظار نهايتها ثم العودة إلى ما قبلها، ما يجري في غزة والضفة الغربية، وما يحيط بهما من تحولات إقليمية، يقول إننا دخلنا مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز محاولة إسرائيل تحويل القوة العسكرية إلى وقائع سياسية وجغرافية دائمة.
في غزة، لم تتوقف المأساة عند حدود الدمار الإنساني والعمراني، وفي الضفة الغربية يتقدم مشروع مختلف في أدواته، لكنه متصل في غايته: الاستيطان، مصادرة الأرض، التهجير، وتوسيع السيطرة على الجغرافيا الفلسطينية، والأخطر أن عنف المستوطنين لم يعد حادثا هامشيا؛ الأمم المتحدة تقول إن عنف المستوطنين بلغ مستويات غير مسبوقة، وإن الاستيطان والتهجير وقيود الحركة تقوض فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وفي غزة، فإن أي حديث عن إعادة الإعمار أو ترتيبات ما بعد الحرب لا يمكن فصله عن سؤال سياسي أكبر: من يضمن ألا تتحول الكارثة الإنسانية إلى مدخل لإعادة رسم مستقبل القطاع من دون الفلسطينيين؟ لذلك فإن وقف الحرب، وإدخال المساعدات، وإعادة الإعمار، وفتح أفق سياسي، ليست ملفات منفصلة، بل حلقات في مسار واحد، وأي تسوية لا تعالج أصل الصراع ستؤجل الانفجار بدلا من إنهائه.
هذه ليست تفاصيل في مشهد فلسطيني بعيد عن الأردن، الضفة بالنسبة للأردن ليست مجرد ملف خارجي؛ إنها جغرافيا ملاصقة، وأمن قومي، وامتداد سياسي وتاريخي، وأي محاولة لفرض التهجير أو تغيير هوية الأرض ستنعكس، بصورة أو بأخرى، على المملكة.
لهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى عقل سياسي مختلف، فإسرائيل، وهي تمضي في أكثر حكوماتها تطرفا، لا تختبر فقط قدرة الفلسطينيين على الصمود، بل تختبر قدرة المنطقة على التعامل مع سياسة الأمر الواقع، وما يضاعف الخطر أن تيارات داخل الحكومة الإسرائيلية تتعامل مع الاستيطان والضم باعتبارهما مشروعا سياسيا، فيما يتحول المستوطنون في بعض المناطق إلى قوة ضغط ميدانية تفرض على الأرض ما تريد، وقد وثقت الأمم المتحدة خلال 2024 آلاف الوقائع المرتبطة بعنف المستوطنين والتهجير، وحذرت من أن الضفة تقترب من نقطة الانهيار.
ومن هنا، لا يكفي أن يبقى الموقف الأردني قويا في رفض التهجير والاستيطان وتصفية القضية الفلسطينية، كما عبر عنه بقوة جلالة الملك من منبر الأمم المتحدة، المطلوب أيضا أن تكون الجبهة الداخلية على مستوى المرحلة، وهذا لا يعني تحويل الأردن إلى ساحة توتر، ولا استدعاء الخوف إلى حياة الناس، وإنما يعني تقوية الدولة من الداخل: مؤسسات أكثر قدرة على الاستجابة، اقتصاد أكثر تحصينا، خطاب سياسي أكثر مسؤولية، ومجتمع يعرف أن اختلافه السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام في لحظة تحتاج إلى أعلى درجات التماسك.
فالجبهة الداخلية ليست شعارا أمنيا، هي ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، وقدرة الحكومة على شرح قراراتها، ووضوح الأولويات الاقتصادية، وعدالة تطبيق القانون، وإبقاء المجال السياسي مفتوحا أمام النقاش المسؤول، وكلما زادت ضغوط الإقليم، أصبحت الحاجة أكبر إلى دولة تشرح وتستمع وتتصرف، لا دولة تكتفي بإدارة الأزمات بعد وقوعها.
والأردن، في هذه اللحظة، يحتاج لقراءة اقتصادية للمرحلة، فالاضطراب الإقليمي يمكن أن يضغط على التجارة والطاقة والسياحة والاستثمار، وقد يفرض على الدولة مراجعة أولوياتها المالية والأمنية والاجتماعية، الاستعداد هنا ليس تشاؤما، بل سياسة وقائية.
أما إقليميا، فالأردن معني بأن يستمر في تحويل مواقفه الثابتة إلى تحرك سياسي ودبلوماسي فاعل، فالمطلوب ليس فقط إدانة ما يحدث، وإنما منع تحويل الاستيطان والتهجير إلى أمر واقع، وحشد الموقف العربي والدولي حول حق إقامة دولة فلسطينية، ورفض أي مسار يفضي لتصفية الحقوق الفلسطينية.
اللحظة الحالية لا تحتمل رفاهية الانتظار، فالوقائع على الأرض تتغير بسرعة، وما يُترك اليوم بلا مواجهة سياسية وقانونية قد يصبح غدا قاعدة يصعب تغييرها، لهذا، فإن حماية الأردن في المرحلة المقبلة تبدأ من وضوح بوصلته: لا للتهجير، لا لتصفية القضية الفلسطينية، لا لتغيير هوية الضفة، ونعم لدولة فلسطينية مستقلة.
فالمنطقة مقبلة على مرحلة لا يكفي فيها أن نعرف ما نرفضه؛ الأهم أن نعرف كيف نحمي بلدنا، وكيف نحافظ على تماسكه، وكيف نمنع فوضى الإقليم من أن تجد لها منفذا إلى الداخل.
الغد