الخطاب الديني ومعاول الهدم!!
محمد حسن التل
18-07-2026 05:57 PM
أنا مع ألا تكون السياسة على منابر الجمعة، بالذات في هذا الزمن المليء بالفتن والجهل والتخندق خلف أسوار الخلاف الأعمى، ووجوب حماية المنبر من كل هذا اللغط، في المقابل من المفروض أن تكون المواضيع التي تطرح على منابر الجمعة ذات قيمة يتصدى لها علماء وخطباء على قدر المسؤولية والعلم، فليس من الطبيعي أن يصعد خطيب الجمعة ليتحدث عن أحكام الوضوء في هذا الزمن أو يتحدث في أي مناسبة في تاريخ الإسلام وكأنه معلم صبية في مدرسة ابتدائية بعيدًا عن التحليل والمعاني العظيمة ودور هذه الأحداث في صناعة تاريخ الأمة.. وعندما يريد أن يتحدث عن مواضيع اجتماعية لا يجد إلا الحديث عن علاقة المرأة بزوجها وكيف تنال رضاه وغير هذه الأمور التي لم تعد تهم أحد في هذا الزمن الصعب الذي أصبحت أحداثه تشكل تهديدا وجوديا للأمة !!
تصور يا رعاك الله أن أحد الخطباء يصعد إلى المنبر ليتحدث عن حرمة الاستنساخ في البشر بطريقة أبعد ما تكون عن الفقه والعلم، والموضوع غاية في التعقيد الفقهي والعلمي بحاجة إلى علماء بحجم كبير.. وعندما يتطرق له من هو غير قادر يبدو وكأنه يعوم في بركة لا يعرف كيف يخرج منها .. وعديد من المواضيع التي لا تهم واقع الناس في هذا الزمن الذي تعصف به الأحداث بالأمة.. لقد وصل الأمر بالكثيرين من أن لا يدخلوا المسجد إلا عند الإقامة حتى يتجنبوا سماع من يخطب!!
لقد تصدى للخطاب الديني كثير من غير المتمكنين، في الوقت الذي نملك فيه أعدادا كثيرة من علماء وفقهاء كبار وأساتذة جامعات متخصصون في الشرع قادرون أن يطرحوا الخطاب الديني بعمق وعلم كبيرين، ولهذا أصبح من المفروض على الجهات المعنية أن تمحص في كل من يكلفوا بمخاطبة الناس من على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخضعوا لتدريب مكثف حتى يستطيعوا مخاطبة الناس بالعلم لا بالصراخ ، وعلى من يختار الخطبة الموحدة أن يرتقي باختياره ويدرك أن مجتمعنا مجتمع متعلمين ومثقفين يلزم الحديث معهم بما يناسبهم ويرتقي إلى مستوى فهمهم..
إذا توسعنا في الحديث عن تسطيح الخطاب الديني، وجب التطرق أيضا إلى البعض الذي يظهر على شاشات الإعلام، ويطرح المواضيع بأسلوب بدائي ركيك مكرر، فالحديث عن الهجرة النبوية مثلا لا يكون سردًا عن تفاصيل هذا الحدث الذي غير مجرى التاريخ البشري دون الإشارة إلى عمق دلالات هذا التكليف الرباني لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقس على ذلك كل المناسبات الإسلامية التي تعرض بأسلوب مكرور ممل في معظم الأحيان.
الخطاب الديني هو الخطاب الأهم في توجيه المجتمع، على شرط أن يتصدى له علماء وفقهاء أصحاب تأثير على الناس لا منفرين.. لذلك وجب أن يعاد النظر بكل ما يتعلق به من ناحية المنهج والأشخاص حتى يكون خطاب رافع للمجتمع محصننا له من كل معاول الهدم التي تستهدفه على مستوى التفكير السلوك...