لماذا هذا… الإصرار على استدعاء صورة قديمة كلما ذُكر الأردن؟
أ.د كامل محادين
17-07-2026 09:25 PM
ليست المشكلة أن يستعيد رجلٌ ذكريات طفولته، ولا أن يروي ما سمعه من والدته قبل أكثر من سبعين عامًا. المشكلة أن تتحول تلك الذكرى إلى أداة للنيل من وطن، وكأن الزمن توقف عند لحظة، وكأن الشعوب لا تبني، والدول لا تنهض، والمدن لا تتغير.
للمرة التي يصعب عدّها، يعود سياسي إلى الحديث عن الأردن بلغة تحمل من الاستخفاف أكثر مما تحمل من القراءة التاريخية. يستحضر عمان عام 1952، ويكرر رواية أن "حماماتها كانت خارج البيوت"، وكأن هذه العبارة تختصر الأردن كله، وتلغي رحلة وطن كتب تاريخه بالصبر لا بالثروة، وبالعمل لا بالشعارات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لا يُستدعى من التاريخ إلا ما يُستخدم للانتقاص، بينما تُغفل سبعة عقود من الإنجاز والتحول؟
الأردن لم يكن يومًا دولة مترفة. لم تمنحه الجغرافيا أنهارًا، ولم تجُد عليه الطبيعة بثروات هائلة. ومع ذلك، بنى دولة مستقرة في إقليم تتهاوى فيه الدول، وأقام مؤسسات صمدت أمام العواصف، واحتضن ملايين البشر في أصعب الظروف، حتى أصبح ملاذًا لكل من ضاقت به أرضه.
هذا هو الأردن الحقيقي... لا الصورة التي تُقتطع من خمسينيات القرن الماضي لتُستخدم اليوم في غير سياقها.
ومن المفارقات أن الوطن الذي يُستصغر اليوم هو نفسه الذي فتح أبوابه لأجيال من العرب، وتقاسم معهم موارده المحدودة، ومنحهم فرصة التعليم والعمل والأمن. لم يسألهم من أين جاءوا قبل أن يمد لهم يده، ولم يحاسبهم على أصولهم أو لهجاتهم، بل عاملهم بما يمليه عليه ضميره وقيمه.
النقد حق، والاختلاف مشروع، لكن تحويل
الذاكرة إلى منصة لانتقاص وطن لا يصنع رأيًا، بل يثير سؤالًا عن جدوى هذا الخطاب، وعن الرسالة التي يبعث بها في كل مرة يُعاد فيها ترديد هذه الحكايات.
إن احترام فلسطين لا يكون بالإساءة إلى الأردن، كما أن الاعتزاز بالأردن لا يكون بالانتقاص من فلسطين. فالعلاقة بين الشعبين أعمق من أن تُختزل في مقارنة بين مدينة قبل سبعين عامًا وأخرى اليوم، أو في انطباع شخصي يُقدَّم وكأنه حقيقة ثابتة.
ويبقى أمر لا يجوز تجاوزه: من يتحدث من موقع المسؤولية السابقة، ويملك تاريخًا طويلًا في العمل العام، يدرك أن كلماته لا تُعامل كأحاديث عابرة، بل تُقرأ بوصفها مواقف عامة. ولهذا فإن المسؤولية تزداد مع التجربة، ولا تتراجع.
الأردن لا يحتاج إلى شهادة من أحد. فهذا البلد لم يبنِ مكانته بالخطابة، بل بدماء جنوده، وجهد معلميه، وصبر موظفيه، وكدح فلاحيه، وتضحيات أبنائه. وكل حجر في عمان اليوم يجيب، بصمت، على كل من يحاول أن يحاكم الحاضر بذكريات الماضي.
قد يختلف الناس على الحكومات، وعل السياسات، وعلى الاقتصاد، لكن كرامة الوطن ليست مادة للمقارنات الساخرة، ولا منصة لتصفية الحسابات الفكرية أو السياسية.
فالأردن الذي كان قبل سبعين عامًا مدينةً صغيرة، أصبح وطنًا كبيرًا في مكانته. أما الذين ما زالوا ينظرون إليه بعين الأمس، فربما فاتتهم حقيقة بسيطة: الزمن مضى، والأردن مضى معه، بينما بقيت بعض الخطابات أسيرة صورةٍ قديمة لا ترى إلا ما تريد أن ترى.