الإشكاليات الثلاث في الأردن
د.م. أمجد الشباطات
17-07-2026 09:45 PM
لا يعاني الأردن من نقص في الأفكار، ولا من غياب الخطط والاستراتيجيات؛ فقد كُتب وشُخِّص واقتُرح الكثير. ومع ذلك، لا تزال مشكلات رئيسية تتكرر، وتتغير أشكالها ومسمياتها، بينما تبقى نتائجها متشابهة.
وفي تقديري، يرتبط استمرار هذا الواقع بثلاث إشكاليات جوهرية، إذا لم تُعالج بجدية، فسنبقى ندور في دوائر مغلقة، مهما تبدلت الحكومات، وتغير المسؤولون، وتعدلت القوانين.
الإشكالية الأولى هي وجود مسؤولين ضعاف، مرتعشي الأيدي أمام القرار.
ولا أتحدث هنا عن المسؤول الذي يجتهد فيخطئ؛ فالعمل العام لا يخلو من الخطأ، ولا يمكن أن نطلب من المسؤول اتخاذ قرارات مؤثرة، ثم نحاسبه بمنطق من لم يتخذ قرارًا قط. المقصود هو المسؤول الذي يتحول خوفه على المنصب إلى قيد على المؤسسة، فيصبح تجنب المخاطرة أهم من تحقيق النتيجة.
وقد يكون ضعف المسؤول نابعًا من أن المنصب أكبر من قدراته وخبراته، أو من افتقاره إلى الثقة والمعرفة اللازمتين لاتخاذ القرار، أو من أخطاء وتجاوزات تجعله يخشى الاقتراب من الملفات الحقيقية. وقد يصل إلى موقعه من دون أن يمتلك الاستقلالية أو المساحة التي تمكّنه من ممارسة صلاحياته.
وعندما يسود هذا النمط، تتكاثر اللجان والدراسات والمراسلات، وتُرحَّل القرارات، ويصبح النشاط الإداري بديلًا عن الإنجاز. فنرى حركة كثيرة، لكننا لا نرى تحولًا حقيقيًا في النتائج.
الدول لا تحتاج إلى مسؤولين لا يخطئون، بل إلى مسؤولين يمتلكون المعرفة والنزاهة والشجاعة، ويحمون قراراتهم بالبيانات والحوكمة، ويتحملون مسؤوليتها. فالخطأ الناتج عن اجتهاد مؤسسي منضبط يمكن تصحيحه، أما الشلل الناتج عن الخوف، فتتراكم كلفته من دون أن تظهر في بند واضح من بنود الموازنة.
الإشكالية الثانية هي محاولة تلبيس مشكلاتنا حلولًا مستوردة، قد تكون ناجحة في بيئات أخرى، لكنها لا تناسب واقعنا، أو أننا لم نتهيأ لها بعد.
الاستفادة من التجارب الدولية ضرورة، ولا توجد دولة تبدأ كل شيء من الصفر، لكن هناك فرقًا جوهريًا بين الاستفادة من التجربة واستنساخها. فالحلول الإدارية والتشريعية لا تعمل بمعزل عن البيئة التي أنتجتها؛ وما ينجح داخل منظومة تمتلك حوكمة قوية، ومؤسسات مستقرة، وكفاءات مؤهلة، ومساءلة فاعلة، قد يعطي نتائج مختلفة تمامًا عندما يُنقل إلى بيئة لم تستكمل هذه المتطلبات.
خذوا قوانين البلديات والإدارة المحلية واللامركزية مثالًا. الفكرة من حيث المبدأ منطقية؛ تقريب القرار التنموي من المجتمعات المحلية، وتوزيع الصلاحيات، وإشراك المواطنين في تحديد الأولويات. لكن منح الصلاحيات لا يكفي لصناعة التنمية، خصوصًا عندما لا تسبقه حوكمة قوية تمنع الخطأ والتجاوز في أبسط أبجديات العمل التنموي.
فعندما تُمنح الصلاحيات قبل بناء القدرات، ووضع معايير واضحة للاختيار والأداء والمساءلة، يصبح الإنجاز مرتبطًا بالأشخاص لا بالمؤسسات. وقد يأتي من يفتقر إلى الخبرة والمعرفة، فيهدم خلال فترة قصيرة ما بناه من سبقه، ثم نعود إلى نقطة البداية، ونكرر التجربة نفسها بأسماء وشعارات مختلفة.
وهكذا تتحول التنمية من عملية تراكمية إلى سلسلة من البدايات المنقطعة. كل مسؤول يبدأ من جديد، وكل مجلس يعيد ترتيب الأولويات وفق رؤيته، وكل تجربة تُلغى قبل أن تنضج، فلا تتكون ذاكرة مؤسسية، ولا يُبنى الإنجاز على الإنجاز.
والأمر لا يقتصر على البلديات والإدارة المحلية. ففي التعليم، قد نستورد نموذجًا أو منهجًا جديدًا قبل إعداد المعلم وتهيئة البيئة المدرسية وبناء أدوات القياس المناسبة. وفي الصحة، قد ننقل نموذجًا إداريًا أو تقنيًا متقدمًا قبل تكامل الأنظمة والبيانات وتطوير الكفاءات القادرة على تشغيله. وفي الإدارة العامة، قد نعيد تشكيل الهياكل ونغير المسميات، بينما تبقى الثقافة الإدارية وآليات اتخاذ القرار كما هي.
فتبدو المشكلة وكأنها في النموذج المستورد، مع أن الخلل الحقيقي يكمن في أننا تعاملنا معه بوصفه منتجًا جاهزًا، لا منظومة تحتاج إلى متطلبات تمكينية، ومراحل انتقال، وقياس للجاهزية قبل التطبيق.
لقد كتبت سابقًا عن أهمية جاهزية التنفيذ؛ لأن جودة الفكرة لا تضمن جودة النتيجة. وقد يكون الحل صحيحًا من الناحية النظرية، لكن تطبيقه في توقيت غير مناسب، أو داخل بيئة غير مهيأة، يحوّله إلى مشكلة إضافية.
والسؤال الذي يجب أن يسبق كل تشريع أو إصلاح أو نموذج مستورد ليس: أين نجح هذا النموذج؟ بل: ما الشروط التي جعلته ينجح هناك، وهل تتوافر لدينا، وإن لم تتوافر، فكيف نبنيها أولًا؟
الإشكالية الثالثة، وهي الأخطر في رأيي، هي الدوران حول الحل الجذري للمشكلات، والانشغال بمحاولة معالجة آثارها.
وحتى عندما ننجح في الحد من بعض الآثار، فإنها تعود إلى الظهور؛ لأن المشكلة الأصلية بقيت من دون حل.
نحن في كثير من الأحيان لا ندير المشكلات، بل ندير نتائجها. تظهر البطالة، فنطلق برنامج تشغيل مؤقتًا. يزداد الفقر، فنوسع المساعدات. تتراجع خدمة عامة، فنشكّل لجنة للتحقق من أسباب التراجع. ترتفع كلفة قطاع ما، فنبحث عن دعم جديد.
وقد تكون هذه الإجراءات ضرورية لتخفيف الضغط الآني، لكنها لا تصبح حلولًا حقيقية إلا إذا ارتبطت بمسار يعالج السبب الذي أنتج المشكلة.
إن معالجة الأثر قد تمنحنا شعورًا سريعًا بالإنجاز؛ لأنها قابلة للإعلان والقياس المباشر، أما معالجة الجذر فتتطلب تنسيقًا مؤسسيًا، وقرارات أصعب، ونتائج تحتاج إلى وقت. ولهذا يجري غالبًا اختيار المسار الأسرع سياسيًا وإداريًا، لا المسار الأصح تنمويًا.
وقد تحدثت وكتبت سابقًا عن الإدارة المتكاملة التي نفتقدها في عمل مجالس الوزراء، والتي لم نرَ أثرها بالمستوى المطلوب. فالقضايا الكبرى لا تتبع الحدود التنظيمية للوزارات، ولا يمكن معالجتها من خلال وزارة واحدة تعمل بمعزل عن بقية المؤسسات.
البطالة، على سبيل المثال، ليست ملف وزارة العمل وحدها، بل ترتبط بالتعليم والتدريب المهني، والاستثمار، والاقتصاد، والنقل، والإسكان، والضمان الاجتماعي، والصحة، والقطاع الخاص، والسياسات التنموية. وعندما يعالج كل طرف الجزء الذي يقع ضمن اختصاصه الضيق، من دون إدارة حكومية متكاملة للمشكلة، نحصل على حلول جزئية قد تتعارض فيما بينها، أو تعالج جانبًا وتنتج مشكلة في جانب آخر.
ولعل قضية العمالة الوافدة تقدم مثالًا واضحًا. ففي الوقت الذي يعاني فيه الأردن من بطالة مرتفعة بين الأردنيين، يستوعب سوق العمل أعدادًا كبيرة من العمالة غير الأردنية، ولا سيما في قطاعات الإنشاءات والزراعة والخدمات، فيما تقترب الحوالات الصادرة من المملكة من 1.77 مليار دولار سنويًا.
ومع ذلك، ظل جزء من الخطاب الرسمي والعام يختزل عزوف الشباب الأردني عن بعض المهن بعبارة جاهزة هي «ثقافة العيب»، وكأن المشكلة كامنة في الشباب وحدهم، لا في بنية سوق العمل نفسها.
وهذه المقاربة لا تفسر كيف يقبل الشاب الأردني العمل في مهن صعبة داخل الأردن وخارجه عندما تتوافر له شروط أفضل، ولا لماذا يستطيع العامل الوافد الاستمرار في مهنة يعزف عنها الأردني. فالقضية ليست دائمًا في طبيعة العمل، بل في استدامته وشروطه وما يوفره للعامل من حماية وأمان.
فالشاب لا ينظر إلى الأجر اليومي وحده. هو يسأل، ولو بصورة غير مباشرة: هل أستطيع الاعتماد على هذا العمل؟ هل سأبقى فيه الشهر المقبل؟ هل أنا مشمول بالضمان الاجتماعي؟ ماذا يحدث إذا تعرضت لإصابة؟ هل يوجد تأمين صحي؟ هل أستطيع تأسيس أسرة اعتمادًا على دخل متذبذب؟ وهل تمثل هذه المهنة مسارًا يمكن أن أتطور فيه، أم أنها مجرد فرصة مؤقتة تنتهي بانتهاء المشروع؟
الأجر مهم، لكنه ليس العامل الوحيد في قرار الالتحاق بالمهنة أو الاستمرار فيها. فغياب الاستقرار والتغطية الاجتماعية والتأمين الصحي وانتظام الدخل قد يجعل وظيفة ذات أجر أعلى قليلًا أقل جاذبية من وظيفة مستقرة بأجر مقارب.
ومن هنا كنت قد تحدثت سابقًا، عند مناقشة مشروع الناقل الوطني، عن فرصة كان يمكن البناء عليها لإنشاء شركة وطنية متخصصة، لا تقتصر مهمتها على تنفيذ جزء من المشروع، بل تُستخدم لبناء قدرة وطنية مستدامة في تنفيذ وتشغيل وصيانة مشروعات المياه والبنية التحتية الكبرى.
كان يمكن لمثل هذا الكيان أن يستوعب أعدادًا كبيرة من الشباب الأردني القادر على العمل، وأن يدربهم ويوظفهم ضمن مسارات مهنية واضحة، ويوفر لهم الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي والاستقرار النسبي. وعندها قد يقبل الشاب براتب يزيد قليلًا على الحد الأدنى للأجور، إذا كان يعلم أنه لا يدخل إلى فرصة عابرة، بل إلى مؤسسة لها مستقبل، ومسار وظيفي، وحماية اجتماعية، وفرصة للتطور.
هنا يصبح مشروع الناقل الوطني أكثر من أنبوب ومحطات ومنشآت؛ يصبح أداة لبناء رأس مال بشري وطني، ونقل المعرفة، وتوطين الخبرة، وتقليل الاعتماد المستقبلي على العمالة والخبرات الخارجية. وهذا هو الفارق بين إدارة المشروع باعتباره عقدًا يجب إنجازه، وإدارته باعتباره استثمارًا وطنيًا يجب أن تستمر منافعه بعد انتهاء التنفيذ.
لكن هذا النوع من التفكير يحتاج إلى إدارة متكاملة؛ لأن إنشاء مثل هذا المسار لا تستطيع وزارة المياه وحدها القيام به. فهو يحتاج إلى وزارة العمل لتصميم برامج التشغيل، ومؤسسة التدريب المهني لبناء المهارات، والضمان الاجتماعي لتطوير التغطية، والقطاع الصحي أو شركات التأمين لتوفير الحماية، ووزارة التربية والتعليم لتوجيه المسارات المهنية، ووزارة التخطيط والاستثمار لربط المشروع بالأهداف الاقتصادية والتنموية الأوسع.
الإشكاليات الثلاث ليست منفصلة؛ فالمسؤول الضعيف يميل إلى القرار الآمن والحل الجاهز، والحل غير الملائم ينتج اختلالات جديدة، ثم ننشغل بمعالجة هذه الاختلالات بدل العودة إلى أصل المشكلة. وهكذا تتراكم الملفات، وتتسع الفجوة بين الخطط والنتائج.
وكسر هذه الدائرة لا يبدأ بإضافة استراتيجية جديدة، ولا بتغيير المسميات والهياكل، بل ببناء مسؤول قوي ومؤهل تحميه الحوكمة ويحاسبه الأداء، وبتكييف الحلول مع واقعنا بعد قياس جاهزية البيئة، وبالانتقال من إدارة آثار المشكلات إلى معالجة جذورها ضمن إدارة حكومية متكاملة.
فالأردن لا يحتاج إلى مزيد من الحركة داخل الدائرة، بل إلى قرار شجاع يكسرها؛ لأن التنمية لا تتحقق بكثرة المبادرات، وإنما بقدرتنا على اختيار المشكلة الصحيحة، والوصول إلى جذرها، وبناء حل يمنعها من إعادة إنتاج نفسها.
*رئيس هتان للدراسات والاستشارات | AMJCOM