أبو القوانين وصانع مداميك الدولة الإدارية .. عن اغتيال ابراهيم هاشم
المحامي باسم العطيات
17-07-2026 10:32 AM
استاذنا الكبير محمد الصبيحي المحترم لقد وضعت أصبعك على جرح غائر في الذاكرة التاريخية الأردنية، وسلطت الضوء على واحد من أكثر الشخصيات الوطنية والعروبية مظلومية في سرديتنا المعاصرة.
الشهيد إبراهيم هاشم رحمه الله هو صانع المؤسسات الذي غيبه صخب الشعارات وفي قراءة تاريخ الدول، غالباً ما تخطف الكاريزما السياسية والخطابات الحماسية الأضواء، ولهذا يتردد اسما الشهيدين وصفي التل وهزاع المجالي كثيراً في الذاكرة الشعبية؛ لما يمثله كلاهما من رمزية للمواجهة والاقتراب المباشر من نبض الشارع في مرحلة شديدة الحرج. لكن الحقيقة التاريخية تقول إن الدول لا تقف على أقدامها بالخطابات وحدهما، بل بالتشريع والقانون والمؤسسات، وهنا تبرز القامة الشامخة للشهيد إبراهيم هاشم، لقد كان إبراهيم هاشم أبو القوانين الأردنية، وصانع مداميك الدولة الإدارية والدستورية. فعندما تولى رئاسة الوزراء أول مرة عام 1933، كانت الإمارة في طور التأسيس الصعب، وكان إرساء سلطة القضاء وصياغة القوانين المدنية والجزائية هو التحدي الأكبر، لم يكن مجرد رجل سياسة عابر، بل كان فقيهاً قانونياً ورجل دولة من الطراز الرفيع، أسس لـدولة القانون، قبل أن يصبح هذا المفهوم شعاراً معاصراً.
والمفارقة المؤلمة في استشهاد إبراهيم هاشم وسليمان طوقان في بغداد يوم 14 تموز 1958، أنها جاءت وهما يؤديان واجباً قومياً وحدوياً، لم يذهبا غازيين ولا متآمرين، بل ذهبا لبناء الاتحاد العربي الهاشمي كصيغة وحدوية دستورية ناضجة تجمع الأردن والعراق، فإغتيالهما كان بمثابة النهاية الفاجعة لجيل الوحدة
تلك الدقائق البشعة التي تلت انقلاب عبد الكريم قاسم، وسحل رجل ثمانيني قضى حياته بين كتب القانون وأروقة المحاكم في شوارع بغداد، لم تكن مجرد جريمة بحق شخص إبراهيم هاشم فقط، بل كانت تصفية وحشية لنموذج رجل الدولة الدستوري لصالح رجال العسكر والانقلابات.
ما أشرتم اليه استاذنا الكبير حول مآل العراق بعد ذلك اليوم الأسود يمثل قراءة واقعية للتاريخ، إن انهيار السِلم الأهلي وسلسلة التصفيات والانقلابات المتتالية التي عاشها العراق منذ عام 1958 وحتى اليوم، بدأت من تلك اللحظة التي استسهل فيها العسكر سحل القامات الفكرية والقانونية والتمثيل بجثثهم، إن لعنة الدم المسفوح وغياب العدالة وسيادة شريعة الغاب ولدت دوامة من العنف لم تنتهِ فصولها بعد.
إن إحياء ذكرى الشهيد إبراهيم هاشم ليس مجرد واجب أخلاقي تجاه رجل قدم للأردن والعالم العربي علمه وحياته، بل هو ضرورة وطنية لتعريف الأجيال الجديدة بأن بناء الأوطان يحتاج إلى العقل، والقانون، والمؤسسات، تماماً كما يحتاج إلى الشجاعة والتضحية.
رحم الله الشهيد الثمانيني إبراهيم هاشم، ووزير الدفاع سليمان طوقان، والشهيدين هزاع ووصفي، وكل من قضى في سبيل حماية هذا الوطن وصون كرامته.