facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




فك الارتباط: بين الجدل الدستوري وحقائق الواقع السياسي .


حسان سلطان المجالي
17-07-2026 11:13 AM

منذ إعلان قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية في العام 1988 ، لم يتوقف الجدل القانوني والدستوري حول الأساس الذي استند إليه القرار ومدى انسجامه مع أحكام الدستور الأردني ، وقد انقسم الفقهاء والباحثون القانونيون بين من يرى أن القرار كان ضرورة سياسية وسيادية فرضتها ظروف المرحلة ومتطلباتها الوطنية والقومية ، وبين من اعتبر أن الآثار الدستورية التي ترتبت على وحدة الضفتين عام 1950 كانت تستوجب إجراءات دستورية وتشريعية مختلفة لإنهاء تلك العلاقة ، لأن الضفة الغربية لم تكن قبل عام 1988 مجرد منطقة ترتبط بالأردن بعلاقة إدارية عابرة ، بل كانت جزءاً من واقع دستوري وقانوني متكامل نتج عن وحدة الضفتين ، حيث تمتع سكانها بالجنسية الأردنية ومثلوا في مجلس الأمة وخضعوا للتشريعات والمؤسسات الرسمية للدولة.

ومن هذا المنطلق يرى جانب من أهل الفقه الدستوري أن إنهاء تلك العلاقة كان يفترض أن يتم من خلال آليات دستورية يشارك فيها مجلس الأمة ، باعتبار أن ما نشأ بترتيبات ذات طبيعة دستورية لا يجوز إنهاؤه بإرادة السلطة التنفيذية وحدها.

وفي المقابل يرى اتجاه فقهي آخر أن القرار يندرج ضمن الأعمال السيادية العليا للدولة المرتبطة بإدارة المصالح الوطنية والعلاقات الخارجية ، وأن الأردن كان يتعامل مع متغيرات سياسية وقانونية عربية ودولية جوهرية وفي مقدمتها الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني ، الأمر الذي استدعى إعادة تنظيم العلاقة القانونية مع الضفة الغربية بما يخدم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.

إلا أن الجدل الفقهي مهما بلغت أهميته لا يمكن فصله عن التطورات التي شهدتها المنطقة خلال ما يقارب أربعة عقود منذ صدور القرار ، فخلال هذه السنوات لم يبقى فك الارتباط مجرد إعلان سياسي أو محل اجتهاد قانوني ، بل تحول إلى "واقع قانوني وسياسي" راسخ ترتبت عليه آثار عميقة ومستقرة ، حيث يستقر الفقه الدستوري المقارن على أن الوقائع الدستورية والسياسية التي تستمر لعقود طويلة وتنتج آثاراً مستقرة يصعب التعامل معها بمعزل عن نتائجها العملية ، "فالدساتير لا تُقرأ في إطار نصوصها المجردة فحسب" ، وإنما في ضوء الممارسة الدستورية والوقائع السياسية والقانونية التي ترسخت عبر الزمن وأصبحت جزءاً من البناء الدستوري الفعلي للدولة.

وفي حالة قرار فك الارتباط ، فإن السنوات الطويلة التي أعقبت صدوره أفرزت "واقعاً قانونياً وسياسياً" مستقراً تجاوز حدود "الجدل النظري" الذي رافقه عند إعلانه ،، فقد انتهى التمثيل النيابي للضفة الغربية في المؤسسات الدستورية الأردنية ، وتوقفت الولاية القانونية والإدارية الأردنية على الإقليم ، ونشأت مؤسسات وطنية فلسطينية تمارس اختصاصاتها على الأرض الفلسطينية وهي السلطة الوطنية الفلسطينية ، كما تعزز الاعتراف الدولي بالشخصية القانونية والسياسية للشعب الفلسطيني وبحقه في إقامة دولته المستقلة ، حتى بلغ عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين نحو 139 دولة حول العالم.

ولذلك فإن تقييم القرار اليوم لا يمكن أن ينفصل عن الآثار القانونية والسياسية التي استقرت وترتبت عليه طوال هذه المدة ، لأن الفقه الدستوري لا يتعامل مع الوقائع الراسخة باعتبارها مجرد أحداث تاريخية ، بل باعتبارها مراكز قانونية وسياسية مستقرة تكتسب مع الزمن قوة ذاتية تجعل العودة إلى ما قبلها أمراً نظرياً أكثر منه عملياً ....

وهنا يطرح السؤال الأهم الذي مفاده : هل سقط الجدل الدستوري بالتقادم السياسي والدستوري.؟

قد يبدو مصطلح "التقادم الدستوري" غير مألوف بالمعنى القانوني التقليدي ، إلا أن الفقه الدستوري المقارن يعرف مفهوماً قريباً منه يتمثل في "استقرار الوقائع الدستورية واكتسابها الشرعية العملية" من خلال استمرارها وترتب آثارها وقبول مؤسسات الدولة والمجتمع السياسي بها عبر الزمن ، لذلك يمكن القول أنه ليس كل خلاف فقهي حول واقعة دستورية يبقى محتفظاً بالأثر ذاته بعد مرور عقود طويلة على نشوء تلك الواقعة ، فهناك فرق بين "الجدل الأكاديمي" حول مشروعية إجراء معين عند صدوره ، وبين إمكانية ترتيب آثار قانونية جديدة على هذا الجدل بعد عشرات السنين من استقرار الأوضاع التي نشأت عنه.

ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الجدل الفقهي حول الأساس الدستوري لقرار فك الارتباط ما زال قائماً من "الناحية النظرية والأكاديمية" ، لكنه فقد جانباً كبيراً من أهميته العملية نتيجة استقرار الوقائع السياسية والقانونية التي نشأت عنه ، فالدولة الأردنية أعادت بناء سياساتها ومؤسساتها وتشريعاتها على أساس هذا الواقع ، كما أن المجتمع الدولي تعامل مع الضفة الغربية باعتبارها أرضاً فلسطينية محتلة يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية المستقلة.

لذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم لم يعد : هل كان القرار محل جدل دستوري عند صدوره؟
وإنما : ما الأثر القانوني العملي الذي يمكن أن يترتب على إعادة هذا الجدل بعد ما يقارب أربعة عقود من استقرار نتائجه؟

وهو سؤال يصعب إيجاد إجابة عملية له في ظل الوقائع السياسية والقانونية الراهنة.

ومن هنا يبرز التساؤل حول مدى الحاجة إلى دسترة قرار فك الارتباط بعد كل هذه السنوات "كما يثيره البعض بين الحين والآخر" ، فمن الناحية النظرية قد يكون من الممكن إدراج نص دستوري صريح يحسم الجدل الفقهي حول الأساس الدستوري للقرار ، إلا أن الحاجة العملية لذلك تبدو محدودة للغاية ، فالسياسات الرسمية الأردنية منذ عام 1988 استقرت على اعتبار الضفة الغربية أرضاً فلسطينية محتلة وليست جزءاً من الإقليم الأردني ، كما أن المجتمع الدولي يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية شعب يسعى إلى إقامة دولته المستقلة على أرضه الوطنية ،، وعليه فإن أي دسترة للقرار في الوقت الحاضر "لن تنشئ واقعاً قانونياً جديداً "، ولن تضيف آثاراً عملية تختلف عما هو قائم فعلاً منذ عقود ، بل قد تقتصر فائدتها على حسم "الجدل الأكاديمي أو توثيق موقف دستوري قائم ومستقر".

أما السؤال الأكثر أهمية اليوم فهو :
ما جدوى إعادة فتح هذا الملف بعد مرور ما يقارب أربعة عقود على صدور القرار ؟

فإذا كان الهدف من النقاش دراسة حدث دستوري وسياسي مهم في تاريخ الأردن الحديث ، فإن ذلك يظل أمراً مشروعاً ومفيداً "للبحث العلمي والقانوني" ، أما إذا كان الهدف إعادة إنتاج نقاشات تجاوزها الواقع السياسي والقانوني ، فإن القيمة العملية لذلك تبدو محدودة ، خاصة في ظل استقرار الموقف الأردني الرسمي الداعم لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة ، واستقرار الاعتراف الدولي المتزايد بهذه الدولة ....

إن حماية المصالح الوطنية الأردنية لا تتحقق بإعادة إنتاج أسئلة حسمها الواقع السياسي والقانوني ، وإنما بترسيخ الثوابت الوطنية الأردنية ، والمحافظة على الهوية الوطنية الأردنية ، والاستمرار في دعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني باعتبار ذلك الأساس الذي قامت عليه السياسة الأردنية منذ عام 1988 وحتى اليوم ، مع استمرار دوره التاريخي والقانوني في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف ( الوصايةالهاشمية) ، وهو موقف ينسجم مع الثوابت الوطنية الأردنية ومع متطلبات حماية الهوية الوطنية الأردنية والفلسطينية على حد سواء .....

وخلاصة القول ، إن الجدل الفقهي حول دستورية قرار فك الارتباط سيبقى موضوعاً مشروعاً "للدراسة والبحث والنقاش الأكاديمي" ، إلا أن الواقع القانوني والسياسي الذي نشأ منذ عام 1988 أصبح أكثر رسوخاً وتأثيراً من الجدل ذاته ، فبعد كل هذه السنوات لم تعد المسألة إشكالية دستورية عملية تبحث عن حل ، وإنما تجربة تاريخية ودستورية استقرت نتائجها ، وأصبحت جزءاً من الواقع السياسي والقانوني الذي يقوم عليه الموقف الأردني الداعم لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني

والله المستعان .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :