الغاء حبس المدين بين العدالة الاجتماعية وكفاءة المنظومة الائتمانية
د. بركات النمر العبادي
10-07-2026 12:27 PM
لم يعد الجدل حول إلغاء حبس المدين في الأردن مجرد نقاش قانوني يتعلق بعقوبة من وسائل التنفيذ ، بل أصبح نقاشًا يمس فلسفة الائتمان الوطني ، وثقة المستثمرين ، واستقرار الأسواق ، وكفاءة النظام القضائي ، ومستقبل التمويل في الاقتصاد الأردني ، فالقضية في جوهرها لا تتعلق بالسجن أو بعدمه ، وإنما بالسؤال الأكثر عمقًا: هل نجح النظام القانوني والاقتصادي في الاردن في إيجاد بدائل قادرة على ضمان الوفاء بالالتزامات المالية وحماية الحقوق دون المساس بالكرامة الإنسانية ؟
إن الاتجاه العالمي نحو الحد من حبس المدين يستند إلى مبدأ إنساني راسخ ، مؤداه أن العجز الحقيقي عن الوفاء بالدين لا ينبغي أن يتحول إلى عقوبة سالبة للحرية ، لأن السجن لا يخلق مالًا ، ولا يسدد دينًا ، بل قد يزيد من تعثر المدين ، ويضاعف الأعباء الواقعة على أسرته ، ويحد من قدرته على العودة إلى النشاط الاقتصادي المنتج.
إن التجربة الاقتصادية العالمية تؤكد أن الاقتصادات المتقدمة لم تتخلَّ عن حبس المدين إلا بعد أن سبقتها عقود من بناء قواعد بيانات ائتمانية دقيقة ، وأنظمة تنفيذ فعالة ، وضمانات مالية متطورة ، وتشريعات للإعسار والإفلاس الشخصي ، وآليات سريعة لاسترداد الحقوق
ومن هنا، فإن معالجة آثار إلغاء حبس المدين في الأردن لا تكون بالعودة إلى الحبس بوصفه الحل الوحيد ، ولا بالإبقاء على الوضع القائم دون تطوير، وإنما ببناء منظومة قانونية واقتصادية أكثر كفاءة تحقق التوازن بين طرفي العلاقة الائتمانية.
ومن أهم أدوات الإصلاح التاريخ الائتماني ، الذي أصبح في الاقتصادات الحديثة أحد أهم معايير منح الائتمان، فالتاريخ الائتماني لا يقتصر على تسجيل حالات التعثر، بل يمثل سجلًا متكاملًا لمدى التزام الأفراد والشركات بسداد التزاماتهم المالية ، وكلما كان هذا السجل أكثر شمولًا ودقة ، أمكن للممولين تقييم المخاطر بصورة موضوعية ، ومنح الملتزمين مزايا تمويلية أفضل ، بينما يتحمل المتعثرون مخاطر أعلى تتناسب مع مستوى التزامهم السابق.
إن ترسيخ ثقافة التاريخ الائتماني يسهم في تحويل الالتزام المالي من التزام قانوني فحسب إلى قيمة اقتصادية واجتماعية تؤثر في قدرة الفرد أو المؤسسة على الحصول على التمويل مستقبلًا ، وهو ما يخلق حافزًا مستمرًا للوفاء بالالتزامات دون الحاجة إلى وسائل قسرية تقليدية.
كما تبرز الحاجة إلى تطوير قانون الإعسار للأفراد بصورة تحقق التوازن بين حماية المدين حسن النية وحماية حقوق الدائنين ، بحيث يخضع المدين المتعثر لبرامج إعادة جدولة وإعادة تنظيم للديون تحت إشراف قضائي ، مع التمييز بوضوح بين التعثر الناتج عن ظروف اقتصادية قاهرة وبين الامتناع المتعمد عن الوفاء أو إخفاء الأموال أو التحايل على الدائنين ، وهي حالات تستوجب أدوات قانونية رادعة.
وفي الأردن، تزداد أهمية هذا الإصلاح مع التوسع في التمويل الرقمي ، والتجارة الإلكترونية ، والخدمات المالية الحديثة ، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الثقة الائتمانية وتبادل البيانات والسرعة في اتخاذ القرار، الأمر الذي يجعل تطوير البنية التشريعية والتنفيذية ضرورة اقتصادية لا تقل أهمية عن كونها ضرورة قانونية.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إلغاء حبس المدين أو الإبقاء عليه، وإنما في بناء منظومة ائتمانية حديثة تجعل الوفاء بالدين نتيجة طبيعية لكفاءة النظام ، لا نتيجة للخوف من العقوبة.وتحفظ حقوق الدائن ، وتعزز الثقة بالتعاملات ، وتدعم استقرار ، فالاقتصادات القوية لا تُقاس بعدد المدينين في السجون ، وإنما بقدرتها على إدارة المخاطر، وحماية الحقوق ، وتعزيز الثقة، وتحقيق العدالة الاقتصادية.
ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي يتطلب رؤية وطنية شاملة تقوم على خمسة محاور مترابطة : التمويلي ، تطوير الضمانات الائتمانية ، وتعزيز التأجير وتفعيل التاريخ الائتماني ، وتحديث تشريعات الإعسار والتنفيذ ، ورفع كفاءة القضاء في الفصل السريع بالمنازعات المالية ، وعندها يصبح إلغاء حبس المدين جزءًا من منظومة إصلاح متكاملة ، لا مجرد تعديل تشريعي منفصل.
وفي النهاية ، فإن الاقتصاد الوطني لا يقوم على حماية طرف وإضعاف الآخر، بل على تحقيق معادلة دقيقة تحفظ كرامة المدين حسن النية ، وتصون النظام المالي ، فحماية الائتمان ليست مصلحة للدائن وحده ، بل هي مصلحة وطنية تمس الاستثمار ، والنمو ، وفرص العمل ، واستدامة التنمية الاقتصادية في الأردن.
حمى الله الاردن من كل كريهة
* الامين العام المساعد للثقافة الحزبية - حزب المحافظين الأردني