facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من التأسيس إلى التحصين: تفكيك السردية المأزومة وتبرئة الجغرافيا من خطايا "الرومانسية الثورية"


الدكتور عزمي حجرات
10-07-2026 01:43 PM

لعقود طويلة، استند العقل السياسي العربي إلى "سردية مظلومية" مريحة، علّق عليها سلسلة إخفاقاته الهيكلية والتنموية، متخذاً من اتفاقية "سايكس بيكو" مشجباً تاريخياً جاهزاً لتبرير كل تمزق داخلي أو فشل مؤسسي. غير أن القراءة البحثية المتجردة لمسار بناء الدولة الوطنية في المشرق العربي تفرض علينا تفكيك هذه النظريات، ومواجهة حقيقة قاسية ترفض النخب الشعبوية الاعتراف بها: لقد رسمت المعاهدات الاستعمارية خطوطاً على الورق، لكن العقل السياسي المأزوم، الذي استبدل مشروع بناء الدولة بـ "رومانسية الشعارات"، هو من حوّل هذه الخرائط إلى خنادق ومقابر.

تاريخياً، لم يكن التهديد الوجودي الذي عصف بدول المنطقة نابعاً من المستعمر الخارجي الذي غادر جغرافيتنا، بل من الهشاشة الداخلية والإخفاق المريع في صياغة عقد اجتماعي متين. فبمجرد زوال الانتداب، دخلت المنطقة في مرحلة مفصلية اختبرت قدرة النخب على الانتقال من "حالة النضال" إلى "حالة الإدارة والبناء". وهنا بدأ السقوط المدوي للنماذج الثورية.

في سوريا والعراق، استُبدلت شرعية الإنجاز والتوافق المجتمعي بقوة الدبابة وسلسلة من الانقلابات العسكرية المتتالية. الأحزاب التي رفعت لواء "القومية والوحدة" تفرغت لتصفية بعضها البعض، وتحولت الجيوش من حامٍ للحدود إلى أداة لقمع الداخل. الانقسام المرير بين جناحي حزب البعث، والحروب العبثية التي تلت ذلك، أثبتت أن صراع الإخوة على الزعامة والنفوذ مزق اللحمة العربية بأضعاف ما فعلته خرائط الاستعمار، لينتهي الأمر بهذه الأنظمة إلى التهاوي السريع عند أول انكشاف خارجي أو داخلي حقيقي.

ولم يكن المشهد في لبنان أقل مأساوية؛ فقد أُسست الدولة منذ الميثاق الوطني كـ "شركة مساهمة طائفية"، غابت فيها فكرة المواطنة لصالح إقطاعيات الزعامات السياسية، مما جعل الدولة مرتهنة للخارج ومفتقدة لأي مناعة وطنية تحميها من الانهيار الاقتصادي والسياسي. وحتى على صعيد القضية الفلسطينية، طغت المصالح الفصائلية وصراعات الأيديولوجيا في مراحل حاسمة على الهدف الوطني الجامع. وقد تجلى ذلك بوضوح في محاولات بناء "دولة داخل الدولة" في الساحة الأردنية أواخر الستينيات، في مغامرة كادت أن تصفي القضية جغرافياً وسياسياً لصالح مشاريع الوطن البديل.

وسط هذا الخراب الإقليمي والتشظي المؤسسي، يبرز التساؤل الموضوعي: لماذا بقي الأردن مستقراً؟ ولماذا تصر بعض شعوب وأنظمة الجوار على ممارسة الإسقاط النفسي ولعب دور الضحية، محملة الأردن مسؤولية إخفاقاتها؟

إن صمود الدولة الأردنية ليس صدفة جغرافية، بل هو نتاج عبور واعٍ ومتدرج من مرحلة "التأسيس" إلى مرحلة "التحصين". لقد واجه الأردن تحديات الوجود ببراغماتية سياسية صارمة لا تقبل المغامرة بمقدرات الأمة. واستند في ذلك إلى شرعية تاريخية لا تحتاج لإثبات نفسها بتخوين الآخرين أو سحل المعارضين، وإلى عقد اجتماعي صلب دمج كافة المكونات في نسيج وطني واحد. والأهم من ذلك، تأسيس عقيدة عسكرية احترافية بحتة لـ "الجيش العربي"، حافظت على ولائها للمؤسسة والوطن، ونأت بنفسها تماماً عن وحل التسييس والانقلابات التي دمرت جيوش الجوار.

إن إلقاء اللوم الدائم على الأردن من قبل الأنظمة المأزومة ليس سوى محاولة بائسة للتعويض عن خواء سياسي وتنموي. فالخطيئة الوحيدة للأردن، في نظر هذه الأنظمة، أنه قدم نموذجاً حياً وواقعياً يكشف عوراتهم ويُسقط أوهام خطاباتهم.

لقد حان الوقت لتفكيك هذه السرديات الرومانسية الموهومة والاعتراف بأن الخطر الحقيقي ينبع من الداخل. إن حماية الكينونة الوطنية للأجيال القادمة لا تتحقق باجترار شعارات الماضي وتوزيع الاتهامات والعيش في جلباب المؤامرة، بل بالعمل الأكاديمي والسياسي الجاد لترسيخ سيادة القانون، وتحديث الإدارة العامة، والتحول نحو العصرنة لتلبية طموحات المواطن. فالدول القوية تُبنى بالمؤسسات، لا بالشعارات.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :