facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حكاية من إربد


أ.د وفاء عوني الخضراء
17-07-2026 08:44 PM

كبرتُ في شمال الأردن، في إربد، حيث لم تكن البيوت منفصلة تماما عن بعضها، حتى وإن فصلت بينها الجدران. كانت الأصوات تعبر النوافذ، وروائح الخبز تمتد من بيت إلى آخر، وكانت أحوال الناس معروفة لا بدافع الفضول، بل لأن حياة الإنسان لم تكن تُفهم بمعزل عن حياة جيرانه.

أتذكر صباحا شتويا باردا، حين كان الضباب يلامس أسطح البيوت. كانت إحدى نساء الحي قد مرضت، وكان زوجها عاملا بسيطا، يخرج مع الفجر ويعود في المساء بما يكفي بالكاد لإطعام أسرته. لم تعلن المرأة حاجتها، ولم تطرق أبواب الناس طالبة المساعدة. ومع ذلك، كان الحي قد شعر بها قبل أن تتكلم.

قالت أمي وهي تقسم العجين إلى أرغفة:

"زيدي رغيفين اليوم. بيت أم فلان يحتاج إلى خبز دافئ."

لم تقل إنها ستتصدق عليها، ولم تطلب من أحد أن يعرف أنها فعلت ذلك. وضعت الأرغفة في قطعة قماش، وأضافت إليها صحنا من العدس، ثم طلبت مني أن أحملها إلى بيت الجارة، وأن أقول لها ببساطة:

"أمي طبخت أكثر من حاجتنا، وقالت إن الطعام لا يحلو إلا حين نتقاسمه."

كنت صغيرة، لكنني أدركت لاحقا أن أمي اختارت كلماتها بعناية. لم تكن تريد أن تضع المرأة في موقع المحتاجة، ولا أن تجعل من عطائها عرضا للكرم. كانت تحمي كرامتها بقدر ما تلبي حاجتها. وكانت تعرف أن التكافل الحقيقي لا يمنح الطعام وحده، بل يمنع العوز من أن يتحول إلى إذلال.

في ذلك الحي، لم يكن أحد يتحدث عن "اقتصاد التكافل"، ولم نكن نعرف مصطلحات التنمية المستدامة أو الاقتصاد الدائري أو الحد من الهدر. لكننا كنا نمارس كثيرا من مبادئها في حياتنا اليومية.

كانت جدتي تحتفظ ببقايا الخبز، تجففها وتعيد استخدامها في أطباق أخرى. وكانت النساء يتبادلن البذور والشتلات، ويتركن قشور الخضار وبقايا الطعام لتغذية الدجاج أو لتتحول إلى سماد للأرض. وكانت الملابس تنتقل بين أبناء العائلة، لا بوصفها دليلا على الفقر، بل لأن الأشياء لم تكن تفقد قيمتها لمجرد أن شخصا آخر استخدمها.

حتى ماء غسل الخضار كان يُجمع لري النباتات. وكانت الأكياس القماشية ترافق الناس إلى السوق سنوات طويلة. أما الأثاث، فكان يُصلح ويطلى ويعاد استخدامه، بدلا من التخلص منه وشراء غيره كلما تغيرت الموضة.

لم يكن ذلك حرمانا من الحداثة، بل معرفة فطرية بحدود الموارد، وبأن الأرض ليست مخزنا لا ينفد، وأن ما يزيد عن حاجة بيت قد يسد حاجة بيت آخر.

في مواسم الزيتون، كانت الحكاية تصبح أكثر وضوحا. كانت العائلات تتعاون في القطاف. من يملك أرضا يحتاج إلى الأيدي، ومن لا يملك أرضا يشارك بجهده ويحصل على نصيب من الزيت أو الزيتون. ولم يكن العمل يُختزل في أجر نقدي فقط؛ كان تبادلا للوقت والخبرة والطعام والعلاقات.

كانت النساء يفرشن الطعام تحت الشجر، فيأكل الجميع من الأطباق ذاتها. وكان كبار السن يروون الحكايات، بينما يجمع الأطفال حبات الزيتون المتناثرة كي لا تضيع. لم يكن أحد يقول إننا نحقق هدف القضاء على الجوع، أو نرسخ الاستهلاك المسؤول، أو نبني مجتمعات محلية مستدامة. لكن هذه المبادئ كانت حاضرة في كل حركة: في عدم إهدار الثمرة، وفي تقاسم المحصول، وفي العمل الجماعي، وفي احترام الأرض التي منحتنا رزقها.

تعلمت من إربد أن الشعور بألم الآخرين لم يكن فعلا استثنائيا، بل جزءا من النسيج العلائقي للمجتمع. كان الناس يشعرون بالحاجة قبل أن تتحول إلى طلب، ويتدخلون قبل أن يصبح الضيق فضيحة، ويساعدون بطريقة تحفظ للإنسان مكانته وكرامته.

لم يكن التكافل آنذاك مشهدا للاستعراض، ولا صورة تُلتقط أمام سلة غذائية، ولا خطابا يتباهى فيه المعطي أمام المتلقي. كان فعلا هادئا، يكاد لا يُرى، لكنه يمنع بيتا من الانكسار، وطفلا من الشعور بالنقص، وأسرة من السقوط في العزلة.

وهذا لا يعني أن الناس لم يتنافسوا. كانوا يتنافسون في التجارة والزراعة والتعليم والعمل، وكان بعضهم ينجح أكثر من غيره. والمنافسة المشروعة ضرورية لأنها تحفز الاجتهاد والابتكار وتحسن الأداء. لكن الفرق كان أن المنافسة لم تكن تعني سحق الآخر أو احتكار الموارد أو تحويل نجاح الإنسان إلى سبب لإقصاء غيره.

كان بإمكان التاجر أن يربح، لكنه يعرف أن عليه دينا أخلاقيا تجاه مجتمعه. وكان بإمكان المزارع أن يوسع أرضه، لكنه لا يمنع الماء عن أرض جاره. وكان بإمكان الأسرة الميسورة أن تعيش براحة، لكنها لا تستعرض رخاءها أمام أسرة فقدت مصدر دخلها.

كانت هناك، بصورة غير مكتوبة، حدود أخلاقية للمنافسة. فالنجاح لا يصبح نجاحا حقيقيا حين يُبنى على ألم الآخرين، والثروة لا تكتسب معناها حين تتحول إلى جدار يفصل الإنسان عن مجتمعه.

لهذا أرى أن "اقتصاد التكافل" ليس فكرة مستوردة نبحث لها عن جذور، بل هو استعادة لذاكرة عربية أصيلة. إنه اقتصاد لا يلغي السوق، ولا يعادي النجاح، ولا يرفض المنافسة؛ لكنه يضعها داخل إطار من المسؤولية والرعاية والكرامة.

هو اقتصاد يسأل: كيف يمكن أن أنجح من دون أن أدمر فرصة غيري؟ كيف يمكن أن أستهلك من دون أن أستنزف الأرض؟ كيف يمكن أن أمتلك من دون أن أتحول إلى عبد لما أملك؟ وكيف يمكن أن أشعر بحاجة الآخر قبل أن يضطر إلى شرح ألمه أو إثبات فقره؟

حين أعود بذاكرتي إلى ذلك الصباح الشتوي في إربد، وإلى رغيفي الخبز اللذين أرسلتهما أمي إلى جارتنا، أفهم أن الاقتصاد يبدأ أحيانا من فعل صغير جدا.
يبدأ من رغيف زائد لا نلقيه في القمامة.

من شجرة نسقيها بماء لم نهدره.
من ثوب نعطيه حياة ثانية.
من طبق نرسله إلى بيت مجاور بلا ضجيج.

ومن كلمة تحمي كرامة الإنسان حين نقول له: "طبخنا أكثر من حاجتنا"، بدلا من أن نقول: "عرفنا أنك محتاج".

ذلك هو التكافل كما عرفته في إربد: أن نحيا ونحن ندرك أن حاجاتنا مترابطة، وأن رفاه الفرد لا يكتمل إذا كان جاره يتألم، وأن حماية الإنسان وحماية الأرض ليستا قضيتين منفصلتين، بل وجهان لأخلاق واحدة.

لقد كنا نمارس التنمية المستدامة قبل أن نعرف اسمها، ونطبق الاقتصاد الدائري قبل أن يدخل الكتب، ونحمي الكرامة الإنسانية قبل أن تتحول إلى مؤشرات وتقارير. كنا نفعل ذلك لأننا عرفنا، بالفطرة والخبرة، أن الموارد يمكن أن تنفد، أما الرحمة حين تُتداول بين الناس فإنها تتكاثر.

يمكن لاقتصاد التكافل أن يبدأ بمبادرة صغيرة، ثم يتسع ليصبح منظومة تقود المؤسسات والمجتمعات، حين تتحول الرعاية والتعاون والمسؤولية المشتركة إلى سياسات وثقافة وممارسات يومية. عندها يصبح التكافل نموذجا تنمويا يعزز الكرامة والعدالة والانتماء، ويحمي الفئات الأكثر هشاشة والبيئة، ويؤسس لمنافسة مشروعة لا تترك أحدا خلفها. إنه نموذج أردني أصيل، نابع من سرديتنا الوطنية وتراثنا، وقادر على أن يقدم للعالم رؤية إنسانية متجددة للتنمية.






  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :