حين تتحول الانتخابات إلى واجهة بلا صلاحيات
صالح الشرّاب العبادي
31-05-2026 01:05 AM
* كيف تراجعت اللامركزية والديمقراطية المحلية في الأردن؟
ليست أزمة الديمقراطية الانتخابية في الأردن مرتبطة فقط بتراجع نسب المشاركة أو عزوف الشباب عن صناديق الاقتراع، بل هناك أزمة أعمق تمسّ جوهر العملية الديمقراطية نفسها، وتفرض سؤالًا بات يتكرر في الشارع الأردني بصراحة متزايدة:
هل ما تزال المؤسسات المنتخبة تمتلك صلاحيات حقيقية تجعل لصوت الناخب قيمة وتأثيرًا فعليًا؟
هذا السؤال لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات تشريعية وإدارية متتالية أدت تدريجيًا إلى تقليص دور المجالس المنتخبة، وإعادة تركيز القرار بيد المركز، حتى بات المواطن يشعر أحيانًا أن كثيرًا من الهيئات المنتخبة تحولت إلى واجهات تمثيلية أكثر منها مؤسسات قادرة على الفعل والتأثير.
عندما صدر قانون اللامركزية عام 2015، شعر الأردنيون أن الدولة تتجه نحو مرحلة جديدة في الإدارة العامة، تقوم على توسيع المشاركة الشعبية وتمكين المحافظات من إدارة جزء من شؤونها التنموية والخدمية، في خطوة كان يُنظر إليها آنذاك باعتبارها بداية حقيقية للانتقال من المركزية التقليدية إلى مفهوم الحوكمة المحلية الحديثة.
ورغم وجود ثغرات واضحة في القانون، إلا أن فلسفته كانت تحمل مشروعًا قابلًا للتطوير والبناء عليه، خصوصًا أنه فتح الباب أمام فكرة منح المحافظات دورًا أكبر في تحديد أولوياتها، وإدارة احتياجاتها، والمشاركة في رسم القرار التنموي بعيدًا عن المركزية الثقيلة التي لطالما اشتكى منها الأردنيون.
وكانت التوقعات في تلك المرحلة تتجه نحو تحسين التجربة، وتعديل الثغرات، وتوسيع الصلاحيات تدريجيًا، بما يرسخ مفهوم الإدارة المحلية الحديثة ويعزز ثقة الناس بالمجالس المنتخبة.
لكن ما حدث لاحقًا كان معاكسًا لذلك تمامًا.
فالتعديلات والقوانين التي جاءت عام 2021 أعادت إنتاج المركزية بصورة أوضح، وقلّصت كثيرًا من الأدوار التي كانت تمثل جوهر فكرة اللامركزية أصلًا، الأمر الذي أعاد طرح التساؤلات حول مستقبل الإدارة المحلية وحدود صلاحيات المجالس المنتخبة.
ولم يقتصر الأمر على مجالس المحافظات، بل امتد أيضًا إلى مجلس أمانة عمان، حيث جرى سحب معظم الصلاحيات من الأعضاء المنتخبين، حتى أصبح دور كثير منهم أقرب إلى التمثيل الشكلي منه إلى التأثير الفعلي في القرار الإداري والخدمي.
ففي السابق، كان عضو مجلس الأمانة يمتلك أدوات حقيقية تمكّنه من أداء دوره؛ يصوّت، يناقش، يوقّع، يتابع، ويراقب، ويتدخل ضمن إطار إداري وخدمي واضح، وكان المواطن يشعر أن انتخابه لشخص معين قد ينعكس فعلًا على مستوى الخدمات والمتابعة والرقابة داخل منطقته.
أما اليوم، فقد تقلصت تلك الصلاحيات بصورة كبيرة، حتى بات كثير من المواطنين يشعرون أن المنتخب لم يعد قادرًا على إحداث فرق حقيقي أو التأثير المباشر في القرار، وهو ما انعكس تلقائيًا على حجم الثقة الشعبية بالعملية الانتخابية نفسها.
لكن المشهد لا يتوقف عند هذا الحد.
فقانون البلديات أيضًا شهد تراجعًا واضحًا في حجم الصلاحيات الممنوحة لرؤساء البلديات وأعضاء المجالس البلدية، حيث جرى تحجيم كثير من الأدوار التنفيذية والإدارية والمالية، مقابل توسيع سلطة وزارة الإدارة المحلية بصورة غير مسبوقة.
حتى أصبح وزير الإدارة المحلية يمتلك نفوذًا واسعًا على مفاصل العمل البلدي، من القرارات الإدارية والمالية، إلى التعيينات والموافقات والإجراءات التنفيذية المختلفة، الأمر الذي جعل كثيرًا من البلديات تبدو أقل استقلالية مما يفترض أن تكون عليه كمؤسسات محلية منتخبة تمثل الناس واحتياجاتهم المباشرة.
ولا يمكن الحديث عن أزمة اللامركزية والإدارة المحلية دون التوقف عند الخلل القائم في العلاقة بين السلطة التشريعية والعمل الخدمي. فالفلسفة الحقيقية للامركزية تقوم أساسًا على إعادة توزيع الأدوار بين مؤسسات الدولة، بحيث يتفرغ مجلس النواب لمهمته الدستورية الأساسية في التشريع والرقابة، بعيدًا عن التدخل في التفاصيل التنفيذية والخدمية اليومية.
فالنائب في الدول التي ترسخت فيها التجارب الديمقراطية لا يُقاس حضوره بعدد المعاملات التي ينجزها أو حجم الخدمات التي يقدمها، بل بقدرته على سنّ القوانين، ومحاسبة الحكومات، وحماية مصالح الدولة والمجتمع عبر أدوات رقابية وتشريعية حقيقية.
لكن في الواقع المحلي، ما يزال كثير من النواب — بل ربما أغلبهم — يتمسكون بدور “نائب الخدمات” أكثر من دور المشرّع والرقابي، لأن البيئة السياسية والإدارية ما تزال تدفع بهذا الاتجاه، وتعيد إنتاجه باستمرار.
وهنا تظهر الإشكالية الأعمق، إذ إن السلطة التنفيذية نفسها تمنح السلطة التشريعية هذا الهامش الواسع في الملفات الخدمية، بما يُبقي النائب منشغلًا في التعيينات والواسطات والمعاملات اليومية، بدل التفرغ الكامل لدوره الدستوري الحقيقي.
وبذلك تستمر حالة التداخل بين السلطات، وتبقى السلطة التنفيذية الطرف الأقوى والأكثر قدرة على التأثير، فيما تتحول العلاقة أحيانًا إلى حالة من الاحتواء السياسي غير المعلن، تُستخدم فيها الخدمات كأداة لإبقاء جزء من السلطة التشريعية داخل دائرة التأثير التنفيذي، بدل أن تكون سلطة مستقلة تمارس دورها الرقابي والتشريعي بكامل القوة والاستقلالية.
وهنا تظهر الإشكالية الكبرى:
كيف يمكن الحديث عن ديمقراطية محلية فاعلة، بينما تُسحب تدريجيًا الأدوات الحقيقية من الهيئات المنتخبة؟
فالانتخابات وحدها لا تصنع ديمقراطية، وصندوق الاقتراع يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته عندما يصبح المنتخب بلا صلاحيات حقيقية، أو عاجزًا عن اتخاذ القرار والتأثير في الواقع الذي انتُخب من أجله.
الديمقراطية المحلية الحقيقية لا تقوم فقط على إجراء الانتخابات، بل على وجود منظومة متكاملة تقوم على:
صلاحيات واضحة، واستقلال إداري نسبي، وقدرة على اتخاذ القرار، ومساءلة ورقابة، ومجالس تمتلك فعلًا القدرة على خدمة الناس والتأثير في واقعهم اليومي.
أما عندما يتحول المنتخب إلى مجرد واجهة بلا أدوات، فإن المواطن يبدأ تدريجيًا بفقدان ثقته بجدوى المشاركة نفسها، ويصبح العزوف عن الانتخابات نتيجة طبيعية لشعور عام بأن النتائج لم تعد تُحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الناس.
ولهذا، فإن التراجع في الحماسة الشعبية للانتخابات ليس انعكاسًا لرفض الدولة أو ضعف الانتماء الوطني، بل نتيجة شعور متزايد بأن المجالس المنتخبة لم تعد تمتلك القدرة الكافية على التغيير الحقيقي أو الدفاع عن مصالح المواطنين كما ينبغي.
الأردن اليوم بحاجة إلى مراجعة عميقة لفلسفة الإدارة المحلية، ليس فقط عبر تعديل بعض القوانين، بل عبر إعادة الاعتبار لفكرة الشراكة بين الدولة والمجتمع المحلي، وتمكين المحافظات والبلديات والمجالس المنتخبة من امتلاك أدوات حقيقية للإدارة والقرار والتنمية.
لأن الدولة القوية ليست الدولة التي تحتكر كل شيء في المركز، بل الدولة التي تثق بمؤسساتها المحلية، وتمنحها مساحة حقيقية للمشاركة وتحمل المسؤولية، وتبني مع مواطنيها علاقة قائمة على الثقة والشراكة لا على التمثيل الشكلي فقط.
فالمواطن الأردني لا يريد مجرد صندوق اقتراع بل يريد أن يشعر أن صوته يصنع فرقًا حقيقيًا على الأرض.
* عضو مجلس محافظة اسبق