الاردن والبعد الجيواستراتيجي الرابع
أ.د. عبدالله سرور الزعبي
18-07-2026 11:31 PM
لم يعد السؤال الأهم في السياسة الدولية "من يملك القوة؟"، بل "من يستطيع أن يجعل العالم يعتمد عليه؟". القرن العشرون قاس القوة بالجيوش والمساحة، أما القرن الحادي والعشرون فيعيد تعريفها "الدولة الأكثر تأثيراً هي التي تصبح جزءاً لا يمكن تجاوزه في حركة العالم، تمر عبرها الطاقة وسلاسل الإمداد وشبكات البيانات". هكذا انتقلنا من "جغرافيا السيطرة" إلى "هندسة الاعتماد المتبادل". ومن مفارقات عصرنا أن ازدياد الترابط العالمي لم يُنهِ التنافس بل أعاد صياغته حول من يصمم الشبكات ويتحكم بنقاط الاختناق، فتحوّلت الموانئ وخطوط الطاقة والكابلات البحرية ومراكز البيانات إلى أدوات استراتيجية توازي الأدوات العسكرية.
سبق وان قدّم ماكندر مفهوم "قلب العالم" (Heartland) كمصدر للسيطرة، وجاء ماهان بـ"القوة البحرية"، ثم أعاد سبيكمان صياغة المعادلة حول "الحافة" (Rimland) الممتدة من أوروبا إلى الشرق الأوسط وآسيا، وأضاف بريجنسكي سؤال إدارة أوراسيا. هذه المدارس فسّرت مراحل تاريخية كاملة، لكن سؤالها كان دائماً: أين تقع القوة؟
أما اليوم فالجغرافيا لم تعد مكاناً بل شبكة حركة، ممرات التجارة، ومضائق الطاقة، والموانئ، والكابلات. وهذا ما توسّع فيه باري بوزان ومدرسة كوبنهاغن حين ربطا الأمن القومي باستمرار تدفق الطاقة والمياه والبيانات. من هنا نميّز بين "جغرافيا الخطوط" التي تنظر للحدود كخطوط تُحمى، و"جغرافيا العقد" (Node Geography) التي تقيس المكان بكثافته الوظيفية؛ ومنها "نظرية العقدة الحرجة"، إذ كلما ازداد عدد التدفقات المستقلة عبر نقطة واحدة، ازدادت قدرتها على التأثير بما يفوق حجمها الفعلي، وهذا يفسر كيف تمتلك دولة صغيرة وزناً يفوق دولاً أكبر إن أصبحت عقدة حرجة.
هذا لا يعني عالماً أكثر سلماً؛ فمفهوم "الاعتماد المتبادل المسلَّح"، لفاريل ونيومان، يفسّر كيف تحوّل الدول المسيطرة على العقد المركزية سيطرتها إلى إكراه، عبر أثرين: أثر "نقطة الاختناق"(Chokepoint Effect)، حين تُقطع دولة عن شبكة حيوية، وأثر "البانوبتيكون"(Panopticon Effect)"، حين يراقب من يقف عند مركز الشبكة كل ما يمر عبرها، فتمتثل الدول لقواعده لا خوفاً من عقاب مباشر بل لأنها تعلم أن كل تحرك قابل للرصد، تماماً كسجين فوكو في السجن الدائري. ولذلك تفترق الدول التي تسعى لأن تصبح عقداً حرجة تمارس الإكراه، عن تلك التي تسعى لتصبح عقداً حرجة "موثوقة" تجعل من استقرارها وحيادها الوظيفي مصدر قيمتها لا أداة ضغط؛ وهذه الفئة الثانية وحدها تخدم مصلحة الدول الصغرى. ويمتد المشهد إلى "الاعتماد المتبادل المعقّد" لكيوهين وناي، و"القوة الذكية"، وصولاً إلى "القوة البنيوية"(Structural Power): القدرة على تصميم البنية التحتية التي تجري عبرها تفاعلات الآخرين. والقراءة الأدق أن "قوة التدفقات" (Flow Power)، الجيل الرابع، لا تُلغي أجيال قوة الأرض والبحر والشبكات، بل تضيف طبقة تراكمية فوقها. وهذا يعني ان جيوبوليتيك التدفق يُضاف فوق جيوبوليتيك الموقع لا يلغيه، بل تضيف طبقة تراكمية فوقها.
ويقوم هذا الإطار على "نظرية التدفقات الاستراتيجية" حول خمسة تدفقات متشابكة: الطاقة والمياه والتجارة والبيانات ورأس المال والتكنولوجيا؛ ومن يربطها يقود موازين النظام الدولي عبر "هندسة القوة". ويمكن تلخيص التحول في "معادلة القيمة العقدية": ماذا يمر عبرك؟ وكم يعتمد العالم على مروره عبرك تحديداً؟ وهل يثق بأنك ستبقى ممراً مستقراً؟
فالجيواقتصاد يستخدم الاستثمارات والموانئ وممرات الطاقة لتحقيق أهداف استراتيجية، فالقوة لم تعد في منع الآخرين من الحركة بل في جعلهم بحاجة إليك. وهذا ما يمنح الشرق الأوسط قيمته الجديدة، لم تعد قائمة على احتياطيات الطاقة وحدها، بل على كونه أحد أهم مراكز العبور في العالم بين آسيا وإفريقيا وأوروبا. لم يعد مجرد جزء من "حزام الأطراف" كما وصفه سبيكمان، بل أصبح قلب هذا الحزام، أو ما يمكن وصفه بـ"الشبكة" (Networkland)، بدلاً من "الأطراف" (Rimland). وتكشف تجارب سنغافورة وروتردام وسويسرا القاعدة ذاتها: الموقع لا يصبح قوة إلا حين يُهندس اقتصادياً فيتحول إلى منظومة. والشرق الأوسط أكبر مختبر عملي لهذا الدرس، بحكم كثافة نقاط الاختناق فيه (هرمز وباب المندب والسويس)، حيث تحوّل الميناء الحديث إلى مركز نفوذ لا مجرد مرسى للسفن.
هذا الانتقال من "القوة المفروضة على الآخرين" إلى "القوة العاملة من خلال الترابط معهم"، لا ينفصل عن ذاكرة جيواستراتيجية أعمق يغفلها كثير من الأدبيات حين تختزل المشرق العربي إلى إقليم صراعات؛ فبلاد الشام كانت لقرون عقدة التقت عندها القوافل مع التجارة المتوسطية، عبر البتراء وتدمر. وتستحق البتراء أن تكون حجر الزاوية في أي قراءة استراتيجية للإقليم، كنموذج مبكر لـ"دولة التدفقات"؛
فالأنباط بنوا حضارتهم على إتقان إدارة القوافل والمياه، وحوّلوا موقعهم إلى احتكار وظيفي لممرات التجارة، مثبتين أن القوة في المشرق بُنيت دوماً على مهارة إدارة العقدة لا على الحجم. ومن هنا يمكن أن تكون "نهضة المشرق"، وهو استعادة لوظيفة عطّلتها عقود من الصراع لا ابتكار بلا سابقة.
ويقدّم باري بوزان، عبر "نظرية مركّب الأمن الإقليمي"، إطاراً لفهم ارتباط أمن كل دولة باستقرار جاراتها، وهو ما يتحول اليوم إلى "مركّب تدفقات إقليمي" يشمل المياه المشتركة والربط الكهربائي والسكك الحديدية، وغيرها. ومع بروز ممرات اقتصادية جديدة بين آسيا وأوروبا، وفق "مبدأ تعدد المسارات"، تزداد قيمة كل بديل موثوق، وهذا يضع دول شرق المتوسط في موقع تفاوضي متقدم شريطة أن تتحول من جغرافيا عبور إلى شريك في تصميم هذه الممرات، كما فعل الأوروبيون بعد الحرب العالمية الثانية وفق "نموذج التكامل الوظيفي التدرّجي" لإرنست هاس؛ والمشرق يمتلك نواة هذا النموذج في الربط الكهربائي، وخط الغاز العربي، وسكك الحديد.
وحين تُقاس الدول بمؤشرات القوة التقليدية، قد يبدو الأردن محدود الموارد. لكن هذا القياس ينتمي لمرحلة سابقة؛ ففي عصر هندسة القوة لا تُقاس الدول بما يوجد داخل حدودها، بل بما تربطه وتؤمّنه من تدفقات. وهنا تظهر خصوصية الأردن، قيمته لا تكمن في موارده، بل في موقعه عند تقاطع الجزيرة العربية وبلاد الشام، والبحر الأحمر وشرق المتوسط، وآسيا وأوروبا. والفرق الجوهري بين دولة تقع في منطقة استراتيجية وأخرى تؤدي وظيفة استراتيجية أن الأولى تستفيد من موقعها بالصدفة، والثانية تعيد تصميمه ليصبح جزءاً من منظومة إقليمية. فالسؤال المركزي ليس "أين يقع الأردن؟" بل "ما الوظيفة التي يؤديها داخل النظام الإقليمي الجديد؟".
فإذا كانت القوة عند ماكندر من اليابسة، وعند ماهان من البحر، وعند سبيكمان من الحافة، فإن التجربة الأردنية، قد تجعلنا نقترح أنها تأتي اليوم من ربط التدفقات العالمية لا من السيطرة على الجغرافيا نفسها. فالأردن ليس قلباً بالمعنى الماكندري، ولا قوة بحرية بالمعنى الماهاني، ولا طرفاً بالمعنى التقليدي لسبيكمان، بل يمثل "العقدة الجيواستراتيجية" أو "الواجهة الاستراتيجية"، عند تقاطع القوة البرية والبحرية، وقوى الطاقة والقوة الرقمية، وملف الأمن المائي. ويمكن هنا اقتراح مفهوم ان الاردن قد يشكل "قوة الترابط" (Connectivity Power)، وهي قدرة الدولة على ربط شبكات الطاقة والمياه والتجارة والبيانات والنقل والتمويل في منظومة واحدة تولّد قيمة تتجاوز حدودها الجغرافية.
وهذا التموضع نادر، فالأردن يجمع الأجيال الأربعة للقوة معاً في مساحة صغيرة وزمن واحد: تماس مع قوة الأرض عبر حدوده مع خمس دول، وحافة قوة البحر عبر العقبة، وقلب شبكات الطاقة والمياه الإقليمية، وأعتاب قوة التدفقات الرقمية. وهذا ما يمنح "البعد الجيواستراتيجي الرابع" معناه الدقيق حين يُطبَّق على الأردن، ليس بُعداً بديلاً، بل طبقة تراكمية تعيد تعريف قيمة الأبعاد السابقة مجتمعة.
وتتشكل هذه الوظيفة حول أربعة محاور تتحول عند اجتماعها إلى بنية استراتيجية متكاملة، المياه: حيث يكتسب مشروع الناقل الوطني بعداً يتجاوز التوفير الكمي إلى الانتقال من دولة تعتمد على محدودية المصادر إلى دولة تبني قدرة إنتاجية مائية مستقلة، وتجعل الأمن المائي جزءاً من الأمن الوطني؛ والطاقة، حيث الاستثمار في المتجددة والربط الكهربائي الإقليمي والهيدروجين الأخضر يمنح وظيفة جديدة داخل الشبكة، فالقوة أحياناً في امتلاك الشبكة لا المورد؛ العقبة، فهي ليست مجرد ميناء، بل بوابة استراتيجية للبحر الأحمر وقناة السويس والأسواق الآسيوية. والقيمة الحقيقية للميناء لا تقاس بحجمه الحالي، بل بقدرته على التحول إلى منصة لوجستية متكاملة، ومنصة نفوذ؛ والبيانات والاقتصاد الرقمي، حيث أصبحت الكابلات ومراكز البيانات جزءاً من بنية القوة كما كانت الأنابيب والسكك في الماضي؛ ويضاف عنصر خامس هو الاستقرار السياسي والأمني، بفضل الملك ومؤسسات الدولة السيادية، وهو ما تبحث عنه المنطقة والعالم بقوة.
غير أن قيمة هذه المحاور الحقيقية تكمن في "التآزر البنيوي" (Structural Synergy) بينها: فمحطة تحلية بلا شبكة نقل ذكية تظل مشروعاً محلياً، ومصدر طاقة متجددة بلا ربط إقليمي يظل استثماراً معزولاً، وميناء بلا سكك حديد يظل مرفقاً محدود الأثر. أما حين تترابط هذه العناصر ضمن استراتيجية وطنية كبرى، فتنتج "منصة التدفقات المتكاملة"، بنية لا يمكن تجاوزها لأن الاستغناء عنها استغناء عن تدفقات مترابطة معاً لا عن مرفق واحد قابل للاستبدال. وهذا هو الفارق بين امتلاك مشاريع بنية تحتية وامتلاك منظومة استراتيجية: الأول يراكم أصولاً، والثاني يراكم نفوذاً.
وهنا فالأردن يحتاج إلى عقيدة تتجاوز أعمدة الأمن القومي التقليدية نحو "الأمن بالوظيفة"، أن يصبح لا غنى عنه لجيرانه وللقوى الكبرى معاً، فيتحول استقراره من مصلحة داخلية إلى مصلحة إقليمية مشتركة. ويرتبط هذا بـ"المناعة الشبكية"، قدرة عقدة في شبكة كبرى على الصمود وسط اضطراب العقد المحيطة، وتزداد أهميتها كلما اشتد هذا الاضطراب، لأن العالم يبحث عندها عن نقاط استقرار موثوقة، والاردن واحدة منها. ومع تصاعد الاستقطاب بين القوى الكبرى، يصبح "الحياد الوظيفي" عقيدة موازية: أن تجعل الدولة نفسها بنية مفيدة لجميع الأطراف المتنافسة، دون أن يعني ذلك تخلياً عن السيادة، بل توظيفاً ذكياً للوظيفة الاقتصادية لتوسيع هامش المناورة السياسية.
لا يكتمل هذا الطرح دون الاعتراف بمخاطره: مثل مخاطر الديون السيادية إن لم تُدَر مشاريع البنية التحتية بشفافية؛ ومخاطر الاستقطاب الجيوسياسي الناتجة عن تنافس قوى متعددة على كسب الأردن حصرياً؛ ومخاطر الحوكمة الداخلية التي تتطلب مؤسسات قادرة على التخطيط طويل الأمد ومقاومة تحويل المشاريع الكبرى إلى مكاسب قصيرة الأمد. ومن هنا تظهر سيناريوهات: إما تكامل المحاور الأربعة ضمن حوكمة رشيدة فيتحول الأردن إلى "دولة تدفقات" فعلية؛ أو تحقق المشاريع منفردة فتبقى المكاسب جزئية؛ أو تعثرها فيتراجع الأردن إلى دور دولة العبور التقليدية. والفارق بين هذه المسارات لن يحدده الموقع الجغرافي الثابت، بل جودة القرار الاستراتيجي والحوكمة والاستقرار الداخلي.
فالتحدي الحقيقي أمام الأردن ليس منافسة الدول الكبرى في حجم الموارد، بل تحويل عناصره الخاصة إلى مزايا استراتيجية؛ فالجغرافيا تمنح الإمكانية ولا تضمن النتيجة، والتاريخ لا يكافئ الدول التي تمتلك المواقع الأفضل، بل التي تعرف كيف تستخدمها. وهذا هو المعنى الأعمق للبعد الجيواستراتيجي الرابع: ليس بُعداً يُمنح، بل بُعداً يُبنى، قرار حوكمة تلو الآخر ومشروع بنية تحتية تلو الآخر، حتى يصبح التراجع عنه أكثر كلفة من الاستمرار فيه، لا على مستوى الأردن وحده، بل على مستوى شرق المتوسط كله، الذي قد يجد في التجربة الاردنية نموذجاً أولياً لنهضته المقبلة.
* مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
الغد