"التوظيف الحكومي" بين تحديث المنظومة الإدارية وعدالة الفرص
فيصل تايه
12-07-2026 09:04 AM
لم يكن السؤال النيابي الموجه من مساعد رئيس مجلس النواب وعضو حزب الإصلاح، النائب هالة الجراح، إلى دولة رئيس الوزراء مجرد أداة رقابية دستورية او استفسار عن آلية امتحان إلكتروني ، وإنما دعوة صريحة إلى مراجعة فلسفة التنافس على الوظيفة العامة، ومدى اتساقها مع المبادئ الدستورية – وتحديداً المادة السادسة من الدستور الأردني – التي جعلت المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين أساساً لا يجوز المساس به؛ فكيف نضمن أن تكون أدوات الإصلاح أكثر كفاءة، دون أن تفقد العدالة معناها في وجدان المجتمع؟
ومن هذا المنطلق، فإن القيمة الحقيقية لتحديث المنظومة الإدارية لا تكمن في رقمنة الإجراءات أو الاكتفاء بالحلول التقنية، وإنما في قدرة هذه المنظومة على تعميق ثقة المواطن بمؤسساته ، وإقناعه بأن التغيير جاء ليحقق معياراً أعلى للعدالة والنزاهة، لا ليُبقي لدى بعض المتقدمين شعوراً بعدم تكافؤ الفرص ، او ليُكرّس انطباعاً متوارثاً بالإقصاء والتهميش ، فالتحديث الذي يستبدل البيروقراطية التقليدية بجمود تكنولوجي يفتقر للحس الإنساني والاجتماعي، هو تحديث قاصر يعالج الأرقام ويهمش الإنسان، ويخاطر باستنزاف رأس المال الاجتماعي الذي يربط المواطن بمؤسسات دولته.
إن مقاربة الأسئلة التي طرحتها النائب الجراح تفرض قراءتها بوصفها فرصة للمراجعة الوطنية، لا مناورة للتشكيك في المؤسسات. فحين يُلغى نظام استمر سنوات، ويُستبدل بآلية تمنح الامتحان الإلكتروني ٨٠% من الوزن النهائي، يصبح من حق الرأي العام أن يعرف: ما الدراسات التي بُني عليها هذا القرار؟ وما المؤشرات التي أثبتت أن النظام الجديد أكثر عدالة من النظام السابق في صون حقوق مكتسبة تراكمت عبر سنوات طويلة على قوائم الانتظار؟ وهل يوفر التطبيق العملي للنظام الجديد الضمانات الكافية التي تؤكد أن العدالة لا تُختزل في معيار رقمي واحد، بل تُترجم إلى منظومة متكاملة تراعي الخبرات المتراكمة، وسنوات الانتظار، والكفاءة، وتكافؤ الفرص معاً؟
فالمفهوم الحقيقي للعدالة الإدارية لا يستقيم بمجرد إعلان المساواة نظرياً ، بل بإنتاج معايير شفافة، قابلة للتفسير، ويمكن الدفاع عنها أمام المجتمع. وهنا تبرز الأهمية القصوى لهندسة التحول الإداري بذكاء؛ فنجاح أي تغيير يتطلب مأسسة دراسات الأثر قبل التطبيق، واعتماد مرحلة انتقالية مرنة تحفظ حقوق الخريجين القدامى، وتتجنب إحداث صدمة إدارية لدى آلاف المتقدمين ، لضمان ألا يُفاجأ المتقدم بتصفير جهود سنواته في لحظة اختبار واحدة قد تتحكم فيها ظروف تقنية أو معايير قياس جامدة لا تراعي الفجوة التعليمية والرقمية بين المركز والأطراف ، فالإصلاح الإداري يكتسب مشروعيته من عدالة أثره، بقدر ما يكتسبها من سلامة تصميمه.
ولعل أكثر ما يستدعي النقاش هو أن آلاف الخريجين الذين انتظروا سنوات طويلة لا ينظرون إلى الوظيفة بوصفها امتيازاً، بل باعتبارها استحقاقاً يخضع للمنافسة العادلة. وإن أي مساس بهذه الحقوق المكتسبة دون تدرج منصف ومتوازن، قد يحول الإحباط الصامت إلى كلفة حقيقية تمس عمق الأمن المجتمعي، وتضعف صمام الأمان الوظيفي الذي طالما شكّل دعامة للاستقرار. ولذلك فإن أي تغيير في قواعد المنافسة ينبغي أن يكون مصحوبًا بأعلى درجات الشفافية، لأن الثقة لا تُفرض بالقرارات، وإنما تُبنى بالإقناع.
وفي العمق، لا تبدو التساؤلات المتعلقة بمساواة الكفايات العامة بالتخصصية، واختلاف علامات النجاح بين إعلان وآخر، مجرد هفوات إجرائية عارضة، بل هي قضايا تمس جوهر الحوكمة الرشيدة، وتستحق توضيحاً مؤسسياً يعزز الثقة العامة. ويتقاطع مع ذلك ما يتعلق بالمقابلات الشخصية، فهي المرحلة التي يرى كثيرون أنها الأكثر حساسية في أي عملية توظيف؛ ومن هنا، فإن نشر ضوابطها ومعاييرها وإحصاءاتها المعلنة لا يمثل عبئاً على المؤسسات، بل يعزز مصداقيتها، ويغلق الباب أمام أي تأويلات أو شائعات قد تمس نزاهة المنظومة.
والثابت أن الرعاية الملكية السامية لمشروع تحديث القطاع العام تفرض على الحكومة، قبل غيرها، أن تكون أدوات هذا التحديث فوق مستوى الشبهات ومحلاً لثقة المجتمع. فالمراجعة المرنة ليست اعترافاً بوجود خلل، بل هي سمة المؤسسات الواثقة من نفسها، التي تدرك أن تطوير السياسات لا يتوقف عند إصدارها، وإنما يستمر بقياس أثرها، والاستماع للملاحظات، وتصويب المسار بما يحمي مؤشرات الثقة العامة في مؤسسات الدولة متى اقتضت المصلحة العامة ذلك.
إن نجاح مشروع التحديث الإداري لا يُقاس فقط بسرعة إنجاز المعاملات أو رقمنة الإجراءات، بل بقدرته على ترسيخ شعور المواطن بأن فرصته أصبحت أكثر عدالة مما كانت عليه. فكل إصلاح إداري لا ينعكس في صورة ثقة عامة، يحتاج إلى مراجعة هادئة ومسؤولة، لأن الغاية من التحديث ليست استبدال وسيلة بأخرى، وإنما الارتقاء بجودة القرار وعدالة أثره على الإنسان.
فالجدل الدائر اليوم لا يتمحور حول امتحان إلكتروني أو نظام نقاط أو مقابلة شخصية بقدر ما يتمحور حول سؤال أعمق: هل يشعر كل شاب أردني بأن فرصته في الوظيفة العامة تُبنى على الكفاءة وحدها، وأن الطريق إليها واضح، وعادل، ومتساوٍ للجميع؟
هذا هو السؤال الذي يستحق أن تتوقف عنده الحكومة، وهيئة الخدمة والإدارة العامة، ومجلس الأمة، لأن الإجابة عنه لا تخص المتقدمين للوظائف وحدهم، بل تمس الثقة بالدولة نفسها؛ فحين يثق المواطن بعدالة الفرصة، يطمئن إلى عدالة الدولة.
ولعل أفضل ما يمكن أن تقدمه الحكومة اليوم ليس الدفاع عن النظام القائم، وإنما فتح باب التقييم الموضوعي الشامل له، والاستماع إلى الخبراء والأكاديميين والسلطة التشريعية، وإجراء مراجعة وطنية شاملة لآليات التوظيف، بما يحقق المعادلة التي لا غنى عنها في بناء الإدارة العامة الحديثة: الكفاءة أولًا، والعدالة دائماً، لأن الثقة بمؤسسات الدولة تبدأ من الثقة بعدالة الفرصة.
والله ولي التوفيق