الأوطان التي تفكر لا تفاجئها الأزمات
م. سالم خصاونة
12-07-2026 09:58 AM
في مسيرة بناء الدول لا تكمن القوة في عدم وقوع الأخطاء فذلك أمر لا يتحقق في العمل البشري والمؤسسي بل تكمن القوة في القدرة على التعلم من التجارب وتحويل التحديات إلى فرص وبناء منظومات أكثر قدرة على الاستمرار والتطور
فالمؤسسات الناجحة ليست تلك التي لا تواجه الصعوبات بل تلك التي تمتلك شجاعة المراجعة ووعي التطوير وإرادة الإصلاح
وعندما تظهر تحديات متشابهة عبر الزمن فإن الحكمة لا تكون في البحث عن الأشخاص فقط بل في فهم الأسباب العميقة التي تقف خلفها والعمل على تطوير المنظومة الإدارية والفكرية التي تمنع تكرارها
إن الحديث عن تطوير الإدارة العامة ليس جديداً على الفكر الوطني الأردني فقد كان حاضراً في نقاشات رجال الدولة والخبراء عبر مراحل مختلفة انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الإدارة هي الأداة التي تحول الرؤى والسياسات إلى واقع ملموس وأن قوة الدولة تبدأ من كفاءة مؤسساتها وقدرة موظفيها على أداء رسالتهم
وقد تحدث دولة عبد الرؤوف الروابدة في أكثر من مناسبة عن أهمية الإدارة وضرورة معالجة جوانب الضعف فيها مؤكداً أن بناء جهاز إداري قوي هو أساس نجاح الدولة وقدرتها على تحقيق أهدافها
إن استمرار الحديث عن تطوير الإدارة لا يعني التقليل من الإنجازات التي تحققت بل يعكس وعياً بأن الإدارة كائن متحرك يحتاج إلى مراجعة وتحديث مستمرين لأن تحديات اليوم تختلف عن تحديات الأمس وأن أدوات النجاح في المستقبل تحتاج إلى فكر جديد وأساليب أكثر مرونة
فالدول التي تصنع مستقبلها لا تنتظر الأزمات حتى تتحرك ولا تكتفي بمعالجة النتائج بعد وقوعها بل تعتمد على التفكير الاستباقي والتخطيط المبني على المعرفة والخبرة وقراءة المتغيرات قبل أن تتحول إلى أزمات
ومن هنا تبرز أهمية التفكير بإنشاء مجلس وطني للفكر الاستشرافي يضم نخبة من أصحاب الخبرة والاختصاص والكفاءة من مختلف المجالات تكون مهمته دراسة التحولات المستقبلية وتقييم السياسات العامة وقياس أثر القرارات وتقديم رؤى عملية تساعد صانع القرار على اتخاذ قرارات أكثر دقة واستدامة
ولا يكون هذا المجلس بديلاً عن مؤسسات الدولة أو متجاوزاً لدورها بل داعماً لها وشريكاً معرفياً يعزز قدرتها على التخطيط والاستعداد للمستقبل
إن تطوير الإدارة العامة يبدأ من الاستثمار في الإنسان وتأهيل القيادات وتمكين الكفاءات وترسيخ ثقافة الإنجاز والمساءلة وربط المسؤولية بالكفاءة والقدرة على تحقيق النتائج
وفي ظل مسيرة التحديث التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله واهتمام سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني بمستقبل الوطن وشبابه فإن تعزيز ثقافة التفكير الاستباقي يمثل حاجة وطنية تواكب المتغيرات وتدعم قدرة الدولة على مواجهة تحديات المستقبل
إن هيبة الدولة لا تُبنى بإخفاء الملاحظات ولا تضعف بالمراجعة الصادقة بل تزداد قوة عندما تمتلك القدرة على تقييم أدائها وتصحيح مسارها وتحويل التحديات إلى فرص للتطوير
إن معركة الوعي ليست معركة ضد أشخاص أو مؤسسات بل هي معركة بناء من أجل دولة أكثر كفاءة وإدارة أكثر قدرة ومستقبل أكثر استقراراً
فالأوطان التي تستثمر في الفكر والمعرفة لا تنتظر المستقبل حتى يأتي إليها بل تستعد له وتصنع رؤيتها قبل أن تتحول التحديات إلى أزمات .
* مهندس زراعي