facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الشرعية الدولية والسياسيات (الإسرائيلية)


د. ماجد العبلي
05-07-2026 11:19 AM

إن عملية تتبع تطور استجابات الشرعية الدولية للسياسات (الإسرائيلية) منذ سنة 1947وحتى اليوم قد تكشف عن تحولات نوعية يمكن تلمسها عبر مدخلين:

الأول: مدخل تاريخي يتم فيه تتبع تطور اتجاهات الشرعية الدولية نحو السياسات (الإسرائيلية) عبر تقسيم الفترة الكلية (١٩٤٧-٢٠٢٦) إلى أربع مراحل فرعية هي:

١-مرحلة التبني (١٩٤٧- ١٩٦٧).
٢-مرحلة التضييق (١٩٦٧-١٩٩٢).
٣-مرحلة الرضى (١٩٩٢-٢٠٢٣)
٤-مرحلة الرفض (٢٠٢٣-٢٠٢٦)

الثاني: مدخل بنيوي يتم فيه تتبع التحولات في بنية الشرعية الدولية جراء استجاباتها للسياسات (الإسرائيلية) وذلك عبر تفكيك مفهوم الشرعية الدولية كبنية مركبة إلى أربعة مجالات رئيسة هي:

١-المجال الاستراتيجي؛ ويشمل الحماية العسكرية والدبلوماسية ونمط التصويت في المنظمات الدولية وشبكات التطبيع الثنائية، ويطلق على كل هذه العناصر مجتمعة مفهوم (البنية الفوقية الخشنة).
٢-المجال القانوني؛ ويشمل المساءلة القضائية وتحول المعجم الحقوقي المؤسسي.
٣-مجال الرأي العام (الشعبي)؛ ويشمل التحولات الجيلية (الفروقات ما بين الأجيال) واستطلاعات الرأي والحركات الاحتجاجية.
٤-المجال الاقتصادي الرقمي؛ ويشمل البعد الأكاديمي وحركات سحب الاستثمارات والمقاطعة والهيمنة السردية الرقمية؛

ويطلق على عناصر المجالات الثلاث الأخيرة مجتمعة مفهوم (البنية التحتية الناعمة).

وتنطلق هذه المقالة من فرضية أن بنية الشرعية الدولية الداعمة للسياسات (الإسرائيلية) تواجه في اللحظة التاريخية الراهنة تحولا هيكليا حادا؛ حيث بالرغم من تركز ثقل التأييد المتبقي لها في بعض عناصر البنية الفوقية الخشنة، فإن التحول الشديد غير المسبوق هو سيد الموقف في عناصر البنية التحتية الناعمة، الأمر الذي قد يشكل إرهاصا لبدء مرحلة خامسة تتمثل بضبط السياسات (الإسرائيلية) وفق مبادئ الشرعية الدولية.

القسم الأول: المدخل التاريخي:

شهدت اتجاهات الشرعية الدولية نحو السياسات (الإسرائيلية) تحولات فارقة عبر أربع مراحل زمنية على النحو التالي:

أولا: مرحلة التبني (1947- 1967): بدأت هذه المرحلة بقرار تقسيم فلسطين رقم 181 الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947، حيث حظي مشروع قيام (دولة إسرائيل) بدعم دولي استثنائي قادته القوتان العظميان آنذاك (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) وفقا لإيقاع نتائج الحرب العالمية الثانية وتداعيات (الهولوكوست)، وقد رُوّج لـ(دولة إسرائيل) في الرأي العام الغربي خلال هذه الفترة كدولة ديمقراطية فتيّة محاطة بالمخاطر، فنالت تعاطفاً ليبرالياً ويسارياً واسعاً في أوروبا وأمريكا الشمالية أدى إلى صعود شرعيتها استراتيجيا وشعبيا وقانونيا واقتصاديا، في الوقت الذي تم فيه تغييب وتجاهل شبه كاملين لصوت الشعب الفلسطيني في المنابر الدولية.

ثانيا: مرحلة النقد (1967- ١٩٩٢): شكلت حرب سنة 196٧ نقطة التحول الجيوسياسية الأولى باحتلال الضفة الغربية وغزة وسيناء والجولان، حيث بدأت صورة (دولة إسرائيل) تتغير تدريجياً في المنظور الدولي من دولة تبحث عن البقاء، إلى قوة احتلال عسكرية خشنة، تزامنا مع مرحلة تبلور معسكري الحرب الباردة، وتحول الاتحاد السوفيتي نحو الدعم المطلق للقضايا العربية، وممارسة المجموعة العربية ودول عدم الانحياز ضغوطا شديدة لدفع (دولة إسرائيل) للعودة إلى حدود الرابع من حزيران، وتنامى الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وصولاً إلى الانتفاضة الأولى عام (1987) التي نقلت بصرياً عبر شاشات محطات التلفزة العالمية اختلال موازين القوى (حجارة الأطفال في مواجهة الدبابات)، والانتهاكات الجسيمة للجيش (الإسرائيلي) بحق المدنيين الفلسطينيين لا سيما الأطفال والنساء، ما تسبب بموجات من النقد الشعبي الغربي للممارسات (الإسرائيلية).

ثالثا: مرحلة الرضى (١٩٩٢- 2023): لقد لقيت مفاوضات السلام التي بدأت بمؤتمر مدريد ١٩٩٢ ومن ثم توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 رضى عالميا وفر غطاءً دبلوماسياً طويلاً لـ(دولة إسرائيل) باعتبارها شريكاً في عملية السلام؛ ما حسن صورتها العالمية وخفف حدة الضغوط الدولية عليها وفتح لها الباب واسعا أمام موجات جديدة من التطبيع الدبلوماسي مثل معاهدة وادي عربة، ولاحقاً الاتفاقيات الإبراهيمية، الأمر الذي وفر لها بيئة مريحة جدا شجعتها على زيادة وتيرة الاستيطان لنفي إمكانية حل الدولتين. ومع ذلك فقد شهدت هذه المرحلة بالذات تبلور حركات المقاطعة غير الحكومية، وبداية مأسسة النقد الحقوقي الأكاديمي الدولي.

رابعا: مرحلة الرفض (ما بعد أكتوبر 2023): لقد أحدث العدوان المستمر في قطاع غزة خاصة والعمليات العسكرية الإقليمية المتعددة عموما منعطفا جذريا عالميا ممتدا غير مسبوق في طبيعة التعاطي الدولي مع السلوك (الإسرائيلي) حيث تميزت هذه المرحلة بنشوء شرخ عميق وحاد بين المواقف الرسمية للحكومات الغربية الحليفة لـ(دولة إسرائيل) من جهة، وبين مواقف الرفض من قبل أغلبية دول العالم واتجاهات الرأي العام الشعبي والمؤسسات القانونية الدولية من جهة أخرى، الأمر الذي نقل الصراع من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى إجراءات المحاكم الجنائية الدولية.

ثانيا: المدخل البنيوي:

تمايزت استجابات الشرعية الدولية للسياسات (الإسرائيلية) وفق مستويات عناصرها الفوقية الخشنة وعناصرها التحتية الناعمة، وذلك على النحو التالي:

أولا: المجال الاستراتيجي والدبلوماسي ونمط التصويت الأممي: بالرغم من السلوك الأمريكي المتمثل بتخفيف حدة الانتقادات في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة أو استخدام حق النقض ضد مشاريع قرارات مجلس الأمن الدولي لحماية (دولة إسرائيل) الأمر الذي وفر لها (حصانة) ضد الشرعية الدولية، إلا أن الاتجاه العام لسلوك المجتمع الدولي ظل ينمو ويتطور بعكس الرغبة (الإسرائيلية) والأمريكية، ويمكن تلمس ذلك عبر رصد التحولات التالية:

١-تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة كما كبيرا من القرارات التي تنتقد السياسات الإسرائيلية والتوسع الاستيطاني، أكثر من مجموع قراراتها لبقية ملفات العالم مجتمعة.
٢-استقرار الائتلاف الدولي المؤيد للقضايا الفلسطينية عند كتلة شبه ثابتة تتراوح بين 139 إلى 149 دولة شملت بريطانيا وكندا وأغلب دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما يشكل ثلاثة أرباع دول العالم تقريبا.
٣-تقلص جبهة التأييد المطلق للسياسات الإسرائيلية إلى كتلة ضيقة تراوحت بين 5 إلى 12 دولة فقط بقيادة الولايات المتحدة.
٤-شهد الجنوب العالمي خاصة أمريكا اللاتينية وأفريقيا أعلى معدل لقطع العلاقات الدبلوماسية مع (دولة إسرائيل) وسحب السفراء مثل كولومبيا وبوليفيا، بموازاة حملة اعتراف لافتة بدولة فلسطين شملت نحو عشرين دولة من دول العالم الغربي وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا..
٥-جمود مجتمعي واقتصادي حادين للاتفاقيات الإبراهيمية رغم ثبات العلاقات الدبلوماسية، فقد سُجل لأول مرة إلغاء مشاركة الشركات الأمنية والدفاعية (الإسرائيلية) في الفعاليات الإقليمية الكبرى.

ثانيا: المجال القانوني والحقوقي والمساءلة القضائية الملزمة: حيث يمكن رصد التحولات التالية:
١-انتقل المجتمع الدولي من مرحلة الإدانة الأدبية إلى المقاضاة الملزمة؛ حيث انضمت أكثر من عشرين دولة رسمياً إلى دعوى جنوب إفريقيا في محكمة العدل الدولية ضد (دولة إسرائيل) بتهمة خرق اتفاقية منع الإبادة الجماعية.
٢-إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق مسؤولين (إسرائيليين) دخلت حيز التنفيذ القانوني؛ ما قيد حركتهم الدبلوماسية في أكثر من 120 دولة موقعة على ميثاق روما (النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية).
٣-قيام كبريات المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان مثل (Amnesty International و Human Rights Watch) بالتبني الكامل لمصطلح: الفصل العنصري (Apartheid) لوصف الهيكل القانوني والإداري (الإسرائيلي) في الضفة الغربية، ما نزع عن وجه الرواية (الإسرائيلية) قناعها الأخلاقي في الأدبيات الحقوقية العالمية، ما يستدعي صورة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا سابقا.

ثالثا: مجال الرأي العام والتحولات الجيلية: حيث يمكن رصد التحولات التالية (وفقا لبيانات إحصائية دولية مفتوحة):
١-قفزت نسبة الأمريكيين الذين يحملون رأياً غير مؤيد للسياسات (الإسرائيلية) الحالية إلى 60% (مقارنة بـ 42% عام 2022). أما على المستوى العالمي فقد كشف استطلاع رأي شمل 36 دولة أن معدل نسبة الرفض العام لـ(إسرائيل) بلغ 67%، وتجاوزت النسبة 75% في دول أوروبية كبرى مثل السويد وإسبانيا وهولندا وإيطاليا.
٢-بلغت نسبة النظرة السلبية لـ(إسرائيل) بين الشباب العالمي والأمريكي (دون سن الخمسين عاماً) 70%. وداخل القواعد الحزبية الديمقراطية في أمريكا وصلت نسبة عدم التأييد إلى 80% (وارتفعت إلى 84% بين الشباب منهم)، ما يؤشر إلى تآكل القواعد الصلبة التي كانت تؤيد السياسات (الإسرائيلية). ويمكن النظر لفوز مجموعة من المرشحين الداعمين للحق الفلسطيني في الانتخابات التمهيدية الجارية حاليا لمجلس النواب الأمريكي على حساب المرشحين المدعومين من (آيباك) في هذا السياق.
٣-استمرار المظاهرات والفعاليات الرمزية المساندة لحقوق الشعب الفلسطيني طوال السنوات الثلاث الأخيرة بشكل شبه يومي في كثير من دول العالم لا سيما في دول العالم الغربي.

رابعا: المجال الاقتصادي والأكاديمي الرقمي: حيث يمكن رصد التحولات التالية:
١-أقرت صناديق تقاعد أوروبية سيادية كبرى (خاصة في النرويج والدنمارك) سحب استثماراتها من الشركات (الإسرائيلية) أو الشركات الدولية المرتبطة بالمستوطنات.
٢-امتدت حركة الاحتجاج الطلابي والمخيمات إلى أكثر من 150 جامعة غربية ورأسمالية كبرى، نتج عنها تصويت هيئات تدريسية ونقابات عمالية لصالح تجميد التعاون البحثي والأكاديمي مع مؤسسات (إسرائيلية).
٣-أظهرت تحليلات بيانات التواصل الاجتماعي الدولية أن وسوم التضامن والحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني تفوقت بنسبة خمسة أضعاف على الوسوم المؤيدة لـ(دولة إسرائيل).

وبناء على كل ما تقدم فإنه يمكن استخلاص ثلاث نتائج بنيوية على النحو التالي:
أولا: تواجه السياسات (الإسرائيلية) أزمة شرعية جلية في بعض عناصر البنية الفوقية الخشنة مثل: القرارات الأممية واتساع الكتلة الدولية المساندة لدولة فلسطين وتضاؤل الكتلة الدولية المساندة لها وجمود الاتفاقيات الإبراهيمية. في حين تواجه أزمة حادة جدا في كل أبعاد البنية التحتية الناعمة للمجتمع الدولي، لكنها لا تزال تستمد استمراريتها وصمودها- المؤقت ربما- من غطاء بعض عناصر البنية الفوقية الخشنة (الدعم العسكري والدبلوماسي الرسمي) من قبل الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

ثانيا: إن الفجوة الجيلية والحزبية الحادة في الدول الغربية لا سيما الولايات المتحدة تعني أن الجيل القادم من صناع القرار والناخبين قد لا يتعاملون مع (دولة إسرائيل) كحليف حتمي، ولكن على الأغلب كعبء جيوسياسي وأخلاقي؛ ما قد يهدد استدامة الدعم الغربي على المدى البعيد.

ثالثا: إن تحول الملاحقة الدولية من الطابع السياسي الرمزي إلى الطابع القضائي المؤسسي الملزم قد يضع (إسرائيل) على مسار مشابه للنموذج العنصري لجنوب إفريقيا (سابقا) تدريجياً؛ حيث تتسع دائرة العزلة الأكاديمية والاقتصادية والقانونية، مهما تأخرت استجاباتها السياسية الرسمية بفعل الدعم الاستراتيجي للحلفاء الغربيين والحماية الأمريكية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :