facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"التاريخ لا يحفظ أسماء المصفقين .. بل يخلّد أصحاب المواقف"


محمد مطلب المجالي
05-07-2026 12:22 PM

في كل مرحلة من مراحل الأمم، يظهر صنفان من الناس؛ صنف يختار أن يكون شاهد زور على الحقيقة، يصفق لكل قرار، ويهتف لكل مسؤول، ويغيّر مواقفه كما تتغيّر اتجاهات الرياح، وصنفٌ آخر يختار طريقاً أكثر صعوبة، لكنه أكثر شرفاً، فيقول كلمته بصدق، وينحاز إلى الحق مهما كانت الكلفة، ويقف مع الوطن لا مع الأشخاص، ومع المبادئ لا مع المصالح.
والتاريخ، الذي لا يجامل أحداً، أثبت عبر العصور أنه لا يحفظ أسماء المصفقين ولا يرفع من شأن المتزلفين، بل يخلّد أصحاب المواقف الذين امتلكوا شجاعة الكلمة ونبل الغاية. فكم من مسؤول أحاط نفسه بجيوش من المادحين، ثم غادر منصبه فلم يبقَ منهم أحد، وكم من صاحب رأي تعرّض للنقد والتهميش لأنه قال الحقيقة، ثم جاءت الأيام لتنصفه وتثبت صحة ما ذهب إليه.
وفي واقعنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، نحن أحوج ما نكون إلى أصحاب المواقف لا إلى أصحاب التصفيق. فالأوطان لا تبنى بالمديح، ولا تُدار بالمجاملات، ولا تتقدم بإخفاء الأخطاء تحت السجاد. بل تنهض حين يكون هناك من يجرؤ على الإشارة إلى الخلل، ومن يمتلك الشجاعة ليقول للمخطئ: أخطأت، وللمحسن: أحسنت.
إن أخطر ما يواجه المؤسسات والدول ليس وجود الأخطاء، فالأخطاء جزء من العمل البشري، وإنما الخطر الحقيقي أن يتحول بعض المنتفعين إلى جدار يعزل المسؤول عن الحقيقة، فلا يسمع إلا ما يحب سماعه، ولا يرى إلا الصورة التي يرسمونها له. وعندها تتراكم المشكلات وتتسع الفجوات، ويصبح الإصلاح أكثر كلفة وأشد تعقيداً.
وفي الجانب الثقافي والاجتماعي، فإن تراجع قيمة الرأي الحر وارتفاع أسهم التملق والانتهازية يشكلان مؤشراً مقلقاً على اختلال الموازين. فالمجتمعات الحية هي التي تحترم الاختلاف، وتفسح المجال للنقد المسؤول، وتعتبر الكلمة الصادقة رصيداً وطنياً لا جريمة تستوجب العقاب.
أما أولئك الذين اعتادوا التصفيق لكل شيء، فإنهم غالباً أول من يقفز من السفينة عند أول عاصفة، لأن ولاءهم لم يكن يوماً للمبدأ أو للوطن، بل للمصلحة الشخصية. ولهذا لا يجد التاريخ ما يستحق أن يكتبه عنهم سوى أنهم مرّوا من هنا ذات يوم، ثم اختفوا دون أثر.
ويبقى أصحاب المواقف هم العلامات المضيئة في ذاكرة الشعوب. أولئك الذين رفضوا المساومة على قناعاتهم، ودفعوا أثماناً باهظة دفاعاً عن الحقيقة، وحملوا هموم الناس عندما آثر غيرهم الصمت. هؤلاء وحدهم من يتركون بصمة تستحق البقاء، لأن الموقف الشريف يعيش أطول من المنصب، والكلمة الصادقة أبقى من النفوذ، والضمير الحي أقوى من كل أشكال الزيف.
فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يفتح صفحاته للمصفقين، ولا يمنح الخلود للمتزلفين، بل يكتب بحروف من نور أسماء الرجال والنساء الذين وقفوا حيث يجب أن يقفوا، وقالوا ما يجب أن يقال، وانحازوا لأوطانهم وشعوبهم عندما كان الصمت أكثر أماناً، والتصفيق أكثر ربحاً.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :