facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




محبةُ الله بين صدقِ التوبة وأخلاقِ الدبلوماسية وخطرِ النفاق


السفير د. موفق العجلوني
05-07-2026 12:54 PM

تأملات في العلاقة بين القيم الإسلامية، وأخلاقيات العمل الدبلوماسي، وشجاعة الاعتراف بالخطأ في بناء الثقة والسلام.

في عالم تتسارع فيه التحولات السياسية، وتتداخل فيه المصالح مع المبادئ، وتزداد فيه الحاجة إلى بناء الثقة أكثر من بناء القوة، يبرز سؤال قديم يتجدد مع كل أزمة: هل يمكن للسياسة أن تستقيم بلا أخلاق؟ وهل تستطيع الدبلوماسية أن تحقق السلام إذا انفصلت عن الصدق والعدل؟ أم أن الأخلاق ليست ترفًا فكريًا، بل هي الشرط الأول لاستقرار الإنسان والدولة والنظام الدولي؟

هذه الأسئلة حضرت إلى ذهني وأنا أستمع بخشوع تام وكافة المصلين الى الشيخ الجليل والامام الفاضل خطيب الجمعة في أحد المساجد في العاصمة عمان الأسبوع الفائت، والتي تناول فيها فضيلته مفهوم التوبة الصادقة، مبينًا أنها ليست مجرد كلمات تُقال، وإنما هي موقف أخلاقي يقوم على الاعتراف بالخطأ، والندم عليه، والعزم على إصلاحه. وفي سياق شرحه لمعنى الاعتذار، أشار فضيلته إلى أن بعض الناس يلتفون على الحقيقة بعبارات من قبيل: "لم أقل"، أو "لم أفعل"، أو "قصدت غير ما فُهم"، وهي أساليب قد تُستخدم أحيانًا في بعض الممارسات السياسية والدبلوماسية حين يغيب الميزان الأخلاقي.

ولم يكن هذا الطرح دعوة إلى إدانة الدبلوماسية و الذي اكد عليه فضيلة الشيخ و خاصة بوجود عدد من الدبلوماسيين من الدول الشقيقة و الصديقة ، بقدر ما كان دعوة إلى التمييز بين الدبلوماسية بوصفها فنًا لإدارة العلاقات الإنسانية والدولية، وبين المراوغة السياسية التي تتخذ من اللغة وسيلة للهروب من المسؤولية.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل المشكلة في الدبلوماسية، أم في الإنسان الذي يمارسها؟

لقد عرف التاريخ الدبلوماسية باعتبارها أداة لحماية السلم، ومنع الحروب، وتقريب وجهات النظر، وصياغة الحلول الممكنة في عالم تتعارض فيه المصالح. وهي، بهذا المعنى، ليست فنًا للكذب، بل فنٌ لإدارة الحقيقة بحكمة، وإدارة الخلاف دون عداء، وحماية المصالح المشروعة دون التفريط بالقيم.

غير أن التاريخ نفسه يعلمنا أن الدبلوماسية، عندما تنفصل عن الضمير، قد تتحول إلى غطاء للخداع، أو وسيلة لتبرير العدوان، أو أداة لتأجيل الاعتراف بالحقائق. وهنا لا يكون الخلل في الدبلوماسية ذاتها، وإنما في غياب الأخلاق عن ممارستها.

ومن اللافت أن الفكر الإسلامي سبق كثيرًا من الفلسفات السياسية الحديثة في الجمع بين الواقعية السياسية والمسؤولية الأخلاقية.

فالقرآن الكريم لم يدعُ إلى الصدام الدائم، كما لم يدعُ إلى الاستسلام، وإنما أقام العلاقات على ميزان العدل. قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ... أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾.
إنها رؤية تجعل السلام خيارًا أخلاقيًا، والعدل أساسًا للعلاقات، والوفاء بالعهد التزامًا دينيًا وقانونيًا في آن واحد.

ومن هنا، فإن الدبلوماسية في التصور الإسلامي لا تنفصل عن الصدق، ولا تقوم على نقض المواثيق، لأن الوفاء بالعهد أصل قرآني راسخ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، و ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا ﴾ .

ومن اللافت أن هذه المبادئ أصبحت اليوم من ركائز القانون الدولي المعاصر. فاحترام المعاهدات، وحسن النية في تنفيذ الالتزامات الدولية، وعدم التنصل من الاتفاقيات، كلها مبادئ مستقرة في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، كما أنها تمثل أحد أسس النظام القانوني الدولي الحديث. وهنا تتجلى حقيقة مهمة، وهي أن القيم التي جاء بها الإسلام ليست معزولة عن تطور الفكر القانوني الإنساني، بل أسهمت في ترسيخ مبادئ أصبحت اليوم جزءًا من الضمير القانوني العالمي.

وفي المقابل، يقف النفاق على النقيض من هذه المنظومة كلها. فهو ليس مجرد خلل في السلوك الفردي، بل أزمة ثقة تهدد المجتمع والدولة معًا. ولذلك جاء التحذير القرآني شديدًا من المنافقين، لأن أخطر ما في النفاق أنه يجعل اللغة وسيلة لإخفاء الحقيقة، ويجعل الموقف الظاهر مناقضًا للقناعة الباطنة، فتضيع الثقة التي هي أساس كل علاقة إنسانية، سواء بين الأفراد أو بين الدول.

ولعل ما تحتاج إليه السياسة الدولية اليوم ليس مزيدًا من الخطابات، بل مزيدًا من الشجاعة الأخلاقية. فليست القوة في القدرة على تبرير الخطأ، وإنما في الجرأة على الاعتراف به. وليس ضعفًا أن تعتذر دولة عن ظلم ارتكبته، أو تعترف بمسؤوليتها عن خطأ تاريخي إذا اقترن ذلك بجبر الضرر وإحقاق الحق، بل إن هذا الاعتراف يعكس نضجًا سياسيًا، ويؤسس لمصالحة حقيقية، ويمنح العلاقات الدولية بعدًا إنسانيًا يتجاوز حسابات القوة المجردة.

إن التوبة في الإسلام ليست شأنًا تعبديًا فحسب، وإنما هي مدرسة متكاملة في تحمل المسؤولية. فالمذنب لا يبدأ بالإصلاح إلا بعد الاعتراف، ولا يكتمل الاعتذار إلا برد الحقوق، ولا تستقيم العلاقة مع الله إلا إذا استقامت العلاقة مع الناس. وهذه القاعدة الأخلاقية تصلح للفرد، كما تصلح للمؤسسات، بل وللدول أيضًا.

ومن هنا، فإن التوبة الصادقة، في بعدها الحضاري، تعلمنا أن الاعتراف بالحقيقة بداية الإصلاح، وأن الصدق ليس فضيلة شخصية فقط، بل ضرورة سياسية وقانونية، وأن الوفاء بالعهود ليس خيارًا دبلوماسيًا، وإنما أساس لاستقرار المجتمع الدولي.

ولعل أعظم ما يميز الحضارات ليس حجم قوتها العسكرية، ولا اتساع نفوذها الاقتصادي، وإنما قدرتها على المواءمة بين القوة والضمير، وبين المصلحة والعدل، وبين الواقعية السياسية والقيم الأخلاقية. فكل حضارة تفقد بوصلتها الأخلاقية تبدأ، ولو امتلكت أسباب القوة، في فقدان مشروعيتها قبل أن تفقد نفوذها.

ويبقى الإسلام، في منظومته الأخلاقية، يقدم نموذجًا متوازنًا لا يفصل بين الإيمان والعمل، ولا بين السياسة والأخلاق، ولا بين القانون والضمير. ولذلك فإن محبة الله ليست مجرد شعور وجداني، بل هي التزام بالصدق، والعدل، والوفاء، والإصلاح، ونبذ النفاق، في حياة الأفراد كما في حياة الأمم.

إن عالمنا اليوم، وهو يواجه أزمات الثقة، وتصاعد النزاعات، وتراجع القيم، أحوج ما يكون إلى دبلوماسية صادقة، وإلى شجاعة الاعتراف بالخطأ، وإلى ثقافة تجعل العدالة أساس السلام، وتجعل الأخلاق مصدرًا للقوة، لا قيدًا عليها.

ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي تلهمنا إياه التوبة الصادقة: أن الإصلاح يبدأ من النفس، لكنه لا ينتهي عندها؛ بل يمتد إلى المجتمع، وإلى الدولة، وإلى العلاقات بين الأمم، حتى يصبح الصدق أساسًا للعمران، والعدل طريقًا إلى السلام، ومحبة الله منطلقًا لبناء حضارة تُعلي قيمة الإنسان، وتصون كرامته، وتؤسس لمستقبل أكثر أمنًا وإنصافًا.

وفي الختام، فإن التوبة والصدق والوفاء بالعهد ليست قيمًا فردية فحسب، بل هي أيضًا أسسٌ لأخلاق السياسة والدبلوماسية الرشيدة. وقد جسّد الهاشميون، عبر تاريخهم، هذه المنظومة الأخلاقية المستمدة من رسالة الإسلام، فجمعوا بين الحكمة والاعتدال، والثبات على المبادئ، والانفتاح على الحوار، والسعي إلى السلام العادل. وفي هذا النهج يواصل جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله قيادة دبلوماسية أردنية تقوم على احترام القانون الدولي، والوفاء بالالتزامات، والدفاع عن الحق والعدالة، وترسيخ قيم التعايش والسلام.

وهي دبلوماسية تؤكد أن القوة الحقيقية لا تنفصل عن الأخلاق، وأن محبة الله تتجلى في صدق الموقف، وعدالة الكلمة، والإخلاص في خدمة الإنسان وصون كرامته .

* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية

[email protected]





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :