لمن يكتب الكاتب الأردني اليوم؟ صرخة الوعي في وادي "التريند" الرقميأمل محي الدين الكردي
05-07-2026 11:17 AM
كان للكاتب والأديب المصري إبراهيم المصري مقالة مشهورة دارت تحت عنوان "الجمهور لا يكترث للحركة الفكرية" أطلق من خلالها صرخة تحذيرية شخّصت واقع الثقافة والفكر في ثلاثينيات أو أربعينيات القرن الماضي واليوم وبعد مرور ما يقارب القرن من الزمان نكتشف بأسف شديد أننا لا نقرأ نصاً من الماضي بل نقرأ مرآة دقيقة وصادمة لواقعنا الثقافي المعاصر في الأردن فالزمن تغير والأدوات تبدلت لكن الجرح الفكري هو ذاته بل ربما غدا أكثر عمقاً ونزفاً وإن أزمة انصراف الجمهور عن الثقافة لم تعد مقتصرة على كتاب يتكدس في المكتبات أو مجلة راقية تعاني أزمتها المادية بل امتدت لتشوه جسد الفعل الثقافي التفاعلي حيث تحولت الأمسيات والندوات الثقافية اليوم إلى مشهدين متناقضين يبعثان على الأسى فمن جهة تقف المراكز والمنتديات الثقافية الجادة المعنية بتقديم فكر رصين أو توثيق هوية وتاريخ شبه خاوية إلا من بضعة مهتمين قابضين على جمر المعرفة وصار جمهور هذه الندوات فقيراً نادراً وحتى إن حضر بعضهم بات الحوار مقتضباً لا يتجاوز قشور المشاهد البسيطة والتعليقات العابرة دون غوص في عمق الأفكار ومن جهة أخرى نبتت في مشهدنا ظاهرة ثقافة المخمل حيث يعمد بعض الميسورين أو أصحاب النفوذ إلى إصدار كتاب قد لا يحمل من العمق شيئاً فتقام له حفلات إشهار باذخة في فنادق أو صالونات كبرى يزدحم فيها المكان بالأثرياء والمعارف والأصدقاء الذين يأتون مدفوعين بالبرستيج والمجاملة الاجتماعية والتقاط الصور في حضور احتفالي صاخب لمرة واحدة ينتهي بانتهاء الحفل ليعود الكتاب إلى الرفوف وتعود الوجوه إلى مشاغلها دون أن يترك ذلك الفكر أي أثر حقيقي في وعي المجتمع وهنا نصل إلى لب المعاناة الإنسانية والمادية للمثقف في الأردن فإذا كانت الشكوى قديماً من عجز البيئة المحيطة عن حماية عقول المفكرين وتوفير لقمة العيش لهم فإن الواقع الأردني اليوم يسجل رقماً قياسياً في إهدار قيمة القلم ونحن هنا حين نفكك هذه الأزمة فإننا نتحدث بوضوح عن الكاتب الأردني الحقيقي المستقل الذي ينحت من تلافيف دماغه وصحته وعمره ليقدم فكراً حراً ولا نتحدث أبداً عن الكتاب الموظفين الذين يتقاضون رواتب ثابتة من مؤسساتهم وصحفهم بل عن تلك الفئة العظمى التي تواجه وجه المعاناة عارياً إنها الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة بأن أكثر من تسعين بالمئة بل لعلها تصل إلى خمسة وتسعين بالمئة من كتابنا وباحثينا الأردنيين يكتبون مجاناً تماماً وبلا أي مقابل فالكاتب المستقر على ثغره المعرفي يقدم دراسة تاريخية توثق هوية وطنه أو يكتب مقالاً تحليلياً يفكك فيه أزمات مجتمعه ولا يجد في الغالب لقمة يعتاش بها من حبر قلمه بل يدفع من جيبه الخاص ليطبع كتابه وينشر مقالاته في الصحف والمواقع الإلكترونية دون أي مردود مادي ويقدّم فكره هبةً مجانية لمجتمع يستهلك هذا الفكر بضغطة زر ثم يمضي فأين هي قيمة القلم وأين هي كرامة الكاتب الأردني حين يُطالب بأن يثقف ويوجه ويحمي الذاكرة الوطنية في وقت يُترك فيه وحيداً يواجه متطلبات الحياة الصعبة وكأن الثقافة عقوبة يدفع صاحبها ثمنها من قوته وقوت أولاده وحين يختار الكاتب اليوم منبراً إلكترونياً واسع الانتشار لبث أفكاره وطرح طروحاته فإنه يخوض معركة غير متكافئة ضد تسونامي المحتوى الرقمي الهابط والسريع حيث يوضع المقال الفكري الرصين أو البحث التاريخي الموثق في منافسة مباشرة مع موجات المحتوى الاستعراضي والترفيهي الذي لا يتجاوز ثوانٍ معدودة والجمهور المنصرف عن الفكر يمنح آلاف المشاهدات والتفاعلات للغث والرخيص بينما تمر المقالة التي سهر الكاتب الليالي في تدبيجها وتمحيصها مرور الكرام صامتة إلا من رحم ربي من القراء النخبة الذين باتوا هُم أيضاً عملة نادرة في هذا الفضاء الافتراضي المزدحم وعلى الرغم من هذا التشابه الصادم بين ماضٍ شخّصته الأقلام السابقة وحاضر نعيشه اليوم بكامل مرارته إلا أن الكاتب الأردني المخلص لا يملك ترف الانسحاب فالكتابة رغم أنها مجانية ومحاصرة بثقافة البرستيج وأمواج عدم الاكتراث لم تعد مجرد مهنة أو هواية وقيمة الكاتب لا تُقاس بما في جيبه بل بما يتركه من أثر حيّ في وجدان أمته وذاكرة وطنه لكن هذا الصمود لا يعفي أصحاب القرار إذ يتوجب على الحكومة والجهات الرسمية المعنية بالثقافة أن تتطلع بعين المسؤولية والرعاية الحقيقية إلى الكاتب والمثقف وأن تعمل جاهدة على احتضان ودعم المفكرين لحفظ فكر هذه الأمة وحماية وعيها من التشتت والضياع فالقلم هو الأساس وهو الذي يخط التاريخ بإنصاف وهو الذي يترجم ما في عقل الأمة من طروحات وتطلعات وهو الذي يحفظ وطنه ويصون هويته وإرثه من التشويه والنسيان إن صيانة القلم وتكريم صاحبه هي في جوهرها صيانة للوطن واستثمار في أمنه الفكري فلولا القلم لضاعت الذاكرة ولولا حبر المخلصين لغدت العقول نهباً لكل عابر. |
| الاسم : * | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : * |
بقي لك 500 حرف
|
| رمز التحقق : |
أكتب الرمز :
|
برمجة واستضافة