الاقتصاد بين الإيجابي والمعياري
أ.د. عادل محمد القطاونة
19-07-2026 12:51 AM
لطالما حضيت المواضيع الاقتصادية باهتمام الحكومات في جميع أنحاء العالم، فالإنتاج والاستهلاك، الاستيراد والتصدير، معدلات النمو والتضخم والبطالة، عجز الموازنة، الدين العام، المنافسة، العرض والطلب على السلع، اسعار الفائدة، هيكل السوق، الاستثمار، الاقتصاد الرقمي، الناتج المحلي الإجمالي وغيرها من المجالات الاقتصادية الأخرى، كانت ولا تزال من أهم المؤشرات التي يمكن أن تؤثر في مستقبل الدولة.
يرى كثيرون أن علم الاقتصاد يمكن النظر إليه من زاويتين رئيسيتين هما الإيجابي والمعياري. فالأول يهتم بوصف الواقع وتحليله اعتماداً على الحقائق والبيانات والمعطيات القابلة للقياس والتحقق، إذ يربط، على سبيل المثال لا الحصر، بين تطوير التشريعات الاستثمارية وزيادة حجم الاستثمارات الأجنبية أو المحلية، أو بين إستحداث أو تطوير بعض الأنظمة الضريبية وزيادة التحصيلات الضريبية. حيث تنطلق الأحكام إستناداً إلى الأدلة والوقائع، بعيدًا عن الاجتهادات الشخصية أو غير المباشرة.
أما الاقتصاد المعياري، فينطلق من سؤال مختلف: فهو يطرح السؤال في ما يجب أن تكون عليه الأمور؟ فيهتم بما يحقق العدالة الاجتماعية في المجتمع وفي الرفاهية العامة للفرد، وعليه فإنه يرى أن رفع الحد الأدنى للأجور يعتبر ضرورة لتمكين المواطن من الوفاء بمتطلبات الحياة اليومية الكريمة التي يحتاجها، وأن نجاح السياسات الاقتصادية لا يمكن أن يُقاس بمؤشرات النمو لوحدها، وإنما أيضاً بقدرتها على تحسين مستوى معيشة المواطن الذي يبحث عن الأثر الإيجابي في الحياة.
الحكومات تميل في الغالب إلى التركيز على الجانب الإيجابي، من خلال إبراز أثر التشريعات والإصلاحات والمؤشرات الاقتصادية الكلية في المجتمع، بينما ينظر المواطن إلى النتائج الملموسة التي تنعكس على حياته المعيشية. فهو لا يقيس نجاح السياسات بعدد القوانين أو الأنظمة أو التعليمات الصادرة أو حتى بحجم الخطط المعلنة التي يتم اعتمادها أو تنفيذها، وإنما بقدرتها على مواجهة التحديات وتوفير فرص وظيفية جديدة أو تحقيق زيادة في الإيرادات على المستوى الفردي أو التجاري، وتحسين الدخل للمواطنين، وتعزيز جودة الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وبنية تحتية متكاملة.
تتسع الفجوة أحياناً بين الخطاب الرسمي والواقع الحياتي؛ فالمواطن لا يبحث عن المساواة بقدر ما يتطلع إلى العدالة التي تمنح كل فرد حقه وفق احتياجاته وظروفه. وهو لا يكترث بالحد الأدنى للأجور كمادة قانونية إذا كانت غير قادرة على توفير الحياة الكريمة، ولا يطمئن إلى وجود قانون للضمان الاجتماعي إذا لم يكفل له الأمان المعيشي والاجتماعي، كما أن التأمين الصحي يفقد جوهره إذا لم يضمن علاجاً نوعياً مجانياً، والتعليم الأساسي والجامعي لا يحقق رسالته ما لم يكن عادلًا وشاملاً ومتاحاً بجودة متكافئة لجميع أبناء الوطن.
لقد أثبتت التجارب الاقتصادية في كثير من دول العالم، أن نجاح الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية لا يُقاس بجودة التشريعات والقوانين لوحدها، بل بقدرتها في إحداث أثر إيجابي ونوعي في حياة المواطن. فالتشريعات تمثل الوسيلة الأكثر فاعلية، أما المواطن فهو الغاية الأكثر أهمية، والسياسات الحكومية لا تحقق أهدافها ولا تعمل إلا عندما تتحول إلى واقع ملموس في مستوى المعيشة، وتعزز من الثقة ما بين المواطن ومؤسسات الدولة المختلفة.
إن معادلة الإصلاح المنشودة يجب أن تكفل لجميع أبناء الوطن العيش الكريم، وأن تجعل التنمية الاقتصادية وسيلة لتحقيق رفاه المواطن، لا مجرد تحسين للمؤشرات والأرقام الوطنية أو الاقتصادية. فالمواطن ليس خبيراً قانونياً ولا اقتصادياً ولا إدارياً، ولكنه يدرك أثر السياسات العامة عندما يلمسها في دخله الشهري وتعليم أبناءه اليومي، في زياراته للمستشفيات والمراكز الصحية لطلب الرعاية الطبية اللازمة. عندها نستطيع القول بأن الاقتصاد الإيجابي التقى مع المعياري في مسار واحد، قائم على أساس واحد هو تحقيق التوازن ما بين الفكر الايجابي والعمل الفعلي، ما بين التشريعات الموضوعة والنتائج الملموسة، ما بين التخطيط الاستراتيجي والتنفيذ الواقعي.