facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين "السكران" و"العالم بما يريد": هل كانت حدود الأردن خطأ أم مشروعاً سياسياً؟


محمد نور الدباس
01-06-2026 07:07 PM

بعد انتشار تصريحات مجتزأة على وسائل التواصل الاجتماعي أثارت عبارة أحد المسؤولين السياسين الأردنيين السابقين، في مقابلة تلفزيونية أو بودكاست حين قال إن من رسم خارطة الأردن بعد اتفاقية سايكس بيكو كان "سكراناً"، ثم عاد ليؤكد أن من رسمها "كان يعلم ماذا يريد"، تساؤلات عديدة حول المقصود الحقيقي من هذا الوصف، والذي قد يقال أن هذا التصريح مستفز للبعض كونه صدر من مسؤول سياسي كبير تقلد العديد من المناصب الإدارية والسياسية، فهل نحن أمام تناقض في القول، أم أمام محاولة لتوصيف حقيقة تاريخية مركبة؟

للوهلة الأولى يبدو الكلام متناقضاً، فالسكران، بحسب المعنى الحرفي، لا يمتلك القدرة على التخطيط الواعي، بينما الشخص الذي "يعلم ماذا يريد" يتصرف وفق رؤية وأهداف محددة، لكن السياسة لا تُقرأ دائماً بحرفية اللغة، بل غالباً ما تُقرأ من خلال ما وراء الكلمات.

فالقول إن من رسم الحدود كان سكراناً لا يعني بالضرورة اتهاماً حقيقياً له بفقدان الوعي، بل هو تعبير مجازي عن غرابة الحدود التي نشأت في المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الأولى؛ حدود متعرجة في بعض الأماكن، ومستقيمة بشكل لافت في أماكن أخرى، قسمت قبائل وعائلات ومجتمعات تاريخية، وجمعت في الوقت ذاته جماعات ومناطق لم تكن جزءاً من كيان سياسي واحد من قبل.

لكن المفارقة أن هذه الحدود التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها نتاج عبث أو فوضى، لم تكن كذلك في نظر كثير من المؤرخين والباحثين، فقد كانت نتاج حسابات دقيقة ومصالح استراتيجية رسمتها القوى المنتصرة آنذاك وفق رؤيتها لمستقبل المنطقة ومصالحها فيها، وهنا يصبح المعنى أكثر وضوحاً: من رسم الحدود لم يكن سكراناً، بل كان واعياً تماماً لما يفعل، حتى وإن بدت النتائج غريبة أو غير منطقية لأبناء المنطقة أنفسهم.

هذا الفهم يقودنا إلى سؤال أكثر أهمية من الجدل اللغوي ذاته: هل المشكلة في شكل الحدود أم في طريقة إدارتها وتطور الدول التي نشأت ضمنها؟ فالأردن، الذي وُلد في ظروف إقليمية ودولية معقدة، استطاع خلال قرن من الزمن أن يبني دولة ذات مؤسسات وهوية وطنية مستقرة نسبياً مقارنة بما شهدته المنطقة من اضطرابات وحروب وانقسامات، بفضل القيادة الهاشمية الملهمة وشعب يلتف حول هذه القيادة المظفرة.

لقد أثبت التاريخ أن شرعية الدول لا تُستمد فقط من الطريقة التي رُسمت بها حدودها، بل من قدرتها على بناء عقد اجتماعي جامع ومؤسسات فاعلة وهوية وطنية يشعر المواطنون بالانتماء إليها، فكم من حدود رُسمت بعناية فائقة ثم فشلت الدول التي قامت عليها، وكم من حدود وُصفت بأنها مصطنعة ثم تحولت إلى أوطان راسخة في وجدان شعوبها.

لذلك فإن الجدل حول ما إذا كان من رسم الخارطة "سكراناً" أو "عالماً بما يريد" قد يكون أقل أهمية من السؤال الأعمق: ماذا فعلنا نحن بهذه الخارطة بعد أن أصبحت وطناً؟ فالأمم لا تعيش في الماضي وحده، ولا تبنى على نقد الخرائط فقط، بل على القدرة المستمرة على تحويل الجغرافيا إلى دولة، والدولة إلى مشروع وطني يلتف حوله الجميع.
إن قراءة التاريخ بعين ناقدة أمر ضروري، لكن الأهم هو ألا نبقى أسرى الخرائط التي رسمها الآخرون، بل أن نركز على المستقبل الذي نرسمه نحن لأنفسنا، فحدود الدول قد تُرسم في غرف السياسة الدولية، أما الأوطان الحقيقية فتُرسم في وجدان شعوبها، فهل أساء المسؤول الكبير في استخدام بعض المصطلحات التي قد يساء فهمها، أم كان قد تأثر بالرواية التاريخية من البعض عن حازوقة ونستون تشرتشل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :