facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من “كان سكراناً” إلى صناعة الترند السياسي


صالح الشرّاب العبادي
01-06-2026 09:18 PM

عندما تصبح العبارة أهم من الفكرة

لم يعد الخبر في عالم السياسة هو الفكرة، ولا الرؤية، ولا المشروع، بل أصبح في كثير من الأحيان جملة واحدة صادمة تكفي لإشعال وسائل التواصل الاجتماعي لعدة أيام.

في الماضي كان السياسي يُقاس بما يقدم من حلول، وما يمتلك من رؤية، وما يتركه من أثر في موقع المسؤولية. أما اليوم، فيبدو أن بعض المسؤولين السابقين اكتشفوا طريقاً أقصر للعودة إلى دائرة الضوء: اصنع عبارة مثيرة للجدل، واترك الباقي لوسائل الإعلام ومواقع التواصل.

هذا بالضبط ما حدث بعد تصريحات الدكتور جواد العناني عندما قال إن من رسم خارطة الأردن بعد سايكس بيكو “كان سكراناً”. خلال دقائق اختفت عشرات الدقائق من الحوار، وتبخر كل ما قيل حول التاريخ والسياسة والاقتصاد والجغرافيا والتضحيات الجسام ، ولم يبق في ذاكرة الجمهور سوى تلك العبارة.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

فالقضية ليست في الاتفاق أو الاختلاف مع العناني، وليست في تفسيره التاريخي لحدود المنطقة، بل في ظاهرة أخذت تتسع يوماً بعد يوم: ظاهرة “السياسي الباحث عن الترند”.

لقد أصبح بعض المسؤولين السابقين يتحدثون وكأنهم ينافسون صناع المحتوى على عدد المشاهدات، لا رجال الدولة على قوة الأفكار. يبحث أحدهم عن جملة غير مألوفة، أو وصف مستفز، أو تشبيه غريب، ثم يلقيه وسط الحوار، مدركاً أن هذه الكلمات ستكون هي العنوان الرئيسي في اليوم التالي.

والنتيجة أن النقاش العام يتحول من مناقشة القضايا إلى مناقشة العبارات، ومن تحليل الأفكار إلى تحليل النوايا، ومن البحث عن الحلول إلى مطاردة التصريحات ، ومن تاريخ مئة عام تختصر في جملة ( ترندية) .

المفارقة أن كثيراً من هؤلاء يدركون جيداً طبيعة العصر الإعلامي الجديد. يعلمون أن آلاف الكلمات المتزنة قد لا يلتفت إليها أحد، بينما جملة واحدة صادمة قادرة على احتلال الشاشات والمنصات لساعات طويلة. لذلك أصبحت بعض المقابلات السياسية أشبه بعمليات تسويق شخصية أكثر منها جلسات حوار فكري أو سياسي.

لكن الأوطان أكبر من أن تختصر في عبارة.

والأردن تحديداً ليس مجرد خطوط رسمت على خريطة قبل قرن من الزمن. الأردن دولة دفعت أثماناً باهظة كي تبقى مستقرة في منطقة احترقت فيها دول وسقطت فيها أنظمة وتفككت فيها جيوش وتبدلت فيها خرائط. والأردنيون لا ينظرون إلى وطنهم باعتباره شكلاً هندسياً على الورق، بل باعتباره هوية وتاريخاً ومؤسسات وتضحيات ووجوداً سياسياً راسخاً.

لهذا فإن الجدل الذي أثارته عبارة العناني لم يكن بسبب الجغرافيا بقدر ما كان بسبب الرمزية. فالشعوب تتعامل مع أوطانها بوصفها قيمة معنوية قبل أن تكون مساحة جغرافية، ولذلك تصبح الكلمات المرتبطة بها شديدة الحساسية مهما كانت النوايا خلفها.

الأخطر من ذلك أن ثقافة الترند السياسي بدأت تبتلع السياسة نفسها. فبدلاً من أن يسأل الناس: ما الحل؟ أصبحوا يسألون: ماذا قال؟ وبدلاً من متابعة الرؤية، يتابعون الاقتباس. وبدلاً من تقييم الفكرة، يقيسون حجم الضجة التي أحدثتها.

وفي صلب الموضوع الذي تبخر بعبارة ( السكرة بعد ما راحت واجت الفكرة ) اقول لو كانت الحدود وحدها تصنع قوة الدول أو ضعفها، لما أصبحت دول صغيرة المساحة قوى عالمية، ولما انهارت دول شاسعة الموارد والمساحات.

أن سايكس بيكو كانت بداية المشكلة، لكنها لم تكن كل المشكلة، وأن قرناً كاملاً من الانقسامات والصراعات العربية أضاف إلى تلك الخطوط على الخريطة ما هو أخطر بكثير من الحبر الذي رُسمت به .

إن الدولة لا تحتاج إلى عبارات صادمة بقدر حاجتها إلى أفكار صلبة، ولا تحتاج إلى نجوم ترند بقدر حاجتها إلى رجال دولة. أما التصريحات التي تثير الضجيج لساعات، فإنها غالباً ما تختفي سريعاً، بينما تبقى الحقيقة الوحيدة أن الأوطان لا تُبنى بالكلمات المثيرة، بل بالعقول الحكيمة، وأن قيمة السياسي ليست فيما يثيره من جدل، بل فيما يقدمه من فكر ورؤية ومسؤولية.

لقد أصبح لدينا اليوم ترند جديد في السياسة العربية: كلما غاب المسؤول عن المشهد، عاد إليه بجملة صادمة. أما الفكرة نفسها، فغالباً ما تكوول ضحايا ذلك الترند.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :