يحزنني هذا التسابق على ركوب الموضوع المكرر؛ جواد العناني وما قاله جواد العناني، طبيب متحرّش ينتظر حكم القانون العادل، منتخب يتحضر لأهم استحقاق حققه وطننا كرويًا، فإذا بنتيجة مباراة ودية يصبح الشغل الشاغل لكل متآجر، أو متاجر، أو باحث عن تسلية، حفل فني يفتي فيه من يفتي ويكفّر من يكفّر، وأنا لست هنا بوارد الدفاع عن الحفل لأن موضوعه كله لا يعنيني، وبصدق لا أعلم ما الذي جرى فيه، ولا أريد أن أعلم، فالحفل ومعظم مظاهر سلوكياتنا ما هي إلا أعراض مرض واحد وحيد: فقدان البوصلة.
حسن أحمديان وفصاحته التي أتحدى إن كان من تناولها ومدحه عبرها التقط عددًا غير قليل من الأخطاء المتعلقة بفصيحتنا بعضها يدخل في باب الخطايا، علمًا أنه قد يكون وقع بها نتيجة الشيطنة المخجلة الوقحة التي يتعرض لها، إلا أنه في نهاية المطاف وقع بها.. ثم تكرار الحديث عن هدوئه.. غير مدركين أن القناة التي تستضيفه باتت تتاجر بما تنشرونه حوله.. وتبحث عن الترند من خلال الجدل الذي انتشر كالطاعون بيننا ونحن فرحانين بجهلنا.. مساقين كأن عيد الأضحى لا ينتهي..
تكررون.. تعيدون وتزيدون.. غير مدركين أن بعض الانشغال في موضوع بعينه قد يكون مطلوبًا من جهات بعينها.. أقسم بالله العلي العظيم أني أتعجب متى يجد الغارقون في هذا العالم الوهمي العبثي كل هذا الوقت.. أليس لديكم وقت لاستحضار جوع غزّة؟ ألا تسألون أنفسكم، يا رعاكم الله، من التالي إن تركنا أجزاء من بلادنا حولنا تقع بيد العصابات الصهيونية؟ ألا تفكرون بإعادة حفظ جزء "عمّ" حتى لا أقول "قد سمع"، أو سورة "الكهف" ففيها ما لا تعلمون من الحكم والمعاني والسيميائية الباتعة؟ خذوا أولادكم إلى حديقة قريبة من الحارة.. انزلوا إلى "الكوريدور" وجرّبوا رياضة المشي.. تعالوا على أنفسكم واشرعوا بقراءة رواية "زمن الخيول البيضاء" ثم فكروا أن تشاهدوا فيلم "فلسطين 36" قبل أن تتنطحوا وتدلوا بدلوكم بموضوع غَرْفِ الفيلم من الرواية وغضب صاحب الرواية من كل هذا الغرْف كما يقول.. أقسم بالله العلي العظيم أنني ورغم قراءتي الرواية قبل أعوام ومشاهدتي الفيلم قبل سبعة أشهر، لم أتنطح للموضوع ولو كلّفت بحكم عملي لفعل ذلك، لأعدت قراءة الرواية ومشاهدة الفيلم فأنا شخصيًا لا يمكن أن أكتب حرفًا واحدًا قبل أن أفعل ذلك، رغم أن فعل أمر واحد يكفيني؛ أي بمعنى أن حضور الفيلم سيذكرني بالرواية، أو العكس، ولكن ليس هكذا تدار الأمور في حالتي، ولا هكذا تورد الإبل.. لا أريد أن أفرض عليكم نفسي بوصفى أنموذجًا يحتذى ولا مضرب مثل لا والله.. ولكن حلمكم علينا قليلًا.. ألا تحزنون على طفل قضى وهو يهرب مع أسرته من جحيم القصف الصهيوني الوضيع الجبان، وقضت معه أسرته جميعها؟ ألا تتابعون ما آلت إليه الأمور في سوريتنا وكيف أن مجرم سافل من دونية أمجد يوسف قتل أطفالًا بعمر الورد بل في عمر بعض الورد..؟ مجرم وحّدنا في القتل وأبينا أن نتعاضد في مواجهة ما ينتظرنا من ظلمات نفق يخجل أن يطل الضوء في آخره علينا ونحن ما نحن فيه.. يخجل من أن يقولوا كم ساذج هذا الضوء منح من لا يستحق ما لا يملك.. هذا فضاء دبّر بليل صدقوني أو لا تصدقوني أنتم أحرار.. أفترض أنكم أحرار.. آمل أنكم أحرار.. تعالوا نعود لفيء شجرة سنديان عتيقة في دارة عريقة في زي، أو الشوبك، أو وَلَجة بيت لحم.. تعالوا إلى كلمة سواء.. ولا تعودوا إلى ذات الإناء.. دعوها فإنها منتنة؛ عن العنصرية أتحدث، والإقليمية، والثرثرة الفائضة عن حاجة النيل ودجلة والفرات.. عن شتاتنا في كل الجهات..
يحزنني أننا أصبحنا جميعنا قطيعًا يقوده (الترند) بدل الرسن.