تنمية أموال الأيتام .. نموذج للاستثمار المستدام
د. جعفر النسور
02-06-2026 12:32 PM
تفرض طبيعة عمل مؤسسة تنمية أموال الأيتام معايير خاصة لتقييم أدائها الاستثماري، إذ لا يقتصر النجاح على حجم الأرباح المحققة فقط، بل يمتد إلى القدرة على حماية الأموال وتنميتها في آنٍ واحد. ويشكل تحقيق التوازن بين الأمان والعائد حجر الأساس في عمل المؤسسة، بما ينسجم مع مسؤوليتها في إدارة أموال الأيتام والمحافظة على استدامتها ونموها على المدى الطويل.
يُلاحظ أن المؤسسة تتمتع بمركز مالي متين يعكس كفاءة إدارتها واستدامة أدائها، إذ تشير بياناتها المالية إلى استمرار نمو قاعدة أصولها، حيث ارتفع إجمالي الموجودات ليصل إلى نحو 280 مليون دينار. وتمثل هذه الزيادة نموًا بنسبة 8.9%، وهو ما يعكس قدرة المؤسسة على تحقيق توسع متوازن ومستدام في أصولها، والمحافظة على مسار نمو مستقر يضيف قيمة حقيقية للأموال المدارة، دون الاعتماد على مستويات مرتفعة من المخاطر الاستثمارية.
وللوقوف على مدى نجاح المؤسسة ، اقتضى ذلك التوقف عند مؤشرين أساسيين؛ أولهما قدرتها على تغطية رواتبها ونفقاتها التشغيلية من إيراداتها الذاتية، وثانيهما قدرتها على تحقيق عوائد وأرباح مقبولة تعود بالنفع على أكثر من 45 ألف قاصر.
وتظهر البيانات المالية أن المؤسسة نجحت في تحقيق هذين الهدفين؛ فقد بلغت إيراداتها خلال العام الماضي نحو 15 مليون دينار، بما يكفي لتغطية كامل نفقاتها التشغيلية،وتحقيق صافي أرباح يقارب 11 مليون دينار، رغم إدارة محفظة استثمارية تبلغ قيمتها نحو 272 مليون دينار.
وتُعد هذه المؤسسة العريقة، التي انطلقت قبل أكثر من خمسة عقود، نموذجًا متميزًا في إدارة واستثمار الأموال وفقا لاحكام الشريعة الاسلامية . ومن أبرز المؤشرات على كفاءة أدائها أن ما يزيد على 97% من إجمالي أصولها موظف في استثمارات متنوعة، وهي نسبة تعكس مستوىً استثنائيًا من الكفاءة في إدارة الموارد المالية. ولا يقتصر هذا المؤشر على حجم النشاط الاستثماري فحسب، بل يعكس نهجًا مؤسسيًا يقوم على التوظيف الامثل للسيولة المتاحة .
لا يقتصر دور المؤسسة على إدارة الأموال وتنميتها وتحقيق عوائد استثمارية مستقرة، بل يمتد إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية وتنموية أوسع. فالأموال التي تنجح المؤسسة في تنميتها تمثل رصيدًا ماليًا مهمًا للقاصرين عند تسليمها لهم بعد بلوغهم السن القانونية، بما يساعدهم على استكمال تعليمهم، أو تأسيس مشاريعهم الخاصة، أو تلبية متطلبات الحياة المختلفة، الأمر الذي يعزز فرص اندماجهم الاقتصادي والاجتماعي ويمنحهم بداية أكثر استقرارًا واستقلالية.
على الرغم من أن المؤسسة لا تُعد جهة تشغيلية بالمعنى المباشر، فإن أثرها في سوق العمل والاقتصاد الوطني يظل جديراً بالاهتمام. فقد أسهمت استثماراتها المتنوعة في العقارات والأراضي والودائع والقطاعات الإنتاجية والمالية، إلى جانب برامج التمويل بصيغة المرابحات الإسلامية، في تنشيط الحركة الاقتصادية وتحفيز العديد من الأنشطة المرتبطة بها، بما وفر فرص عمل بصورة مباشرة وغير مباشرة. كما أسهمت في دعم قطاع الإسكان من خلال تمويل مساكن آلاف المواطنين من ذوي الدخل المحدود، وبخاصة موظفي القطاع العام، الأمر الذي انعكس إيجاباً على قطاع الإنشاءات والمقاولات والعديد من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به.
وقد جرى توجيه الجزء الأكبر من هذه الأموال إلى محفظة استثمارية متنوعة ، ذات مخاطر منخفضة، وهو ما أسهم في تنويع مصادر الدخل والحد من مخاطر الاعتماد على قطاع واحد. وبفضل هذه السياسة المتوازنة، تبدو مؤسسة تنمية أموال الأيتام أكثر قدرة على الصدمات مواجهة التقلبات التي قد تشهدها بعض القطاعات الاستثمارية، مستندة إلى قاعدة مالية قوية ومحفظة موزعة بعناية.
ومن أبرز المؤشرات التي تستحق التوقف عندها الارتفاع الكبير في القيمة العادلة للاستثمارات المالية، حيث قفز الاحتياطي المتراكم الناتج عن إعادة التقييم إلى أكثر من 20 مليون دينار بعد أن كان أقل من 4 ملايين دينار قبل عام واحد فقط. وهذه القفزة لا تعني مجرد مكاسب محاسبية، بل تشير إلى تحسن القيمة السوقية للأصول التي تمتلكها المؤسسة وإلى نجاح قراراتها الاستثمارية في الاستفادة من تحركات الأسواق
أما العائد على الاستثمار، الذي بلغ نحو 3.89%، فينبغي تقييمه في ضوء طبيعة المؤسسة وأهدافها، وليس وفق المعايير المطبقة على االشركات التجارية أو الصناديق الاستثمارية ذات المخاطر المرتفعة. فهي تعمل ضمن إطار مؤسسي محافظ يضع سلامة الأموال في مقدمة أولوياته، ويهدف إلى تحقيق نمو مستدام ومتوازن قبل السعي وراء عوائد مرتفعة قد تقترن بمستويات أعلى من المخاطر. يمكن اعتبار هذا العائد مؤشراً إيجابياً يعكس نجاح المؤسسة في تحقيق رسالتها الأساسية المتمثلة في تنمية الأموال مع المحافظة على درجة عالية من الأمان والاستقرار. فالعائد الاستثماري لا يُقاس بقيمته المطلقة فقط، بل بمدى توافقه مع مستوى المخاطر التي تم تحملها لتحقيقه.
أعتقد أن توجّه المحفظة الاستثمارية نحو مزيد من التنويع ، ولا سيما من خلال تعزيز الاستثمار في الأسهم والصكوك الإسلامية ، والشراكة مع القطاع الخاص، من شأنه أن يرفع من جودة إدارة الاستثمارات، ويحدّ من المخاطر الناتجة عن تقلبات الأسواق، فضلاً عن تعزيز كفاءة العوائد الاستثمارية على المدى الطويل.في تقديري، تقدم المؤسسة نموذجاً استثمارياً متميزاً نجح في المواءمة بين حماية أموال الأيتام وتنميتها، وبين إدارة المخاطر وتحقيق النمو.