الفجوة الجيلية والتحديث السياسي: كيف نحافظ على الاستقرار ونضمن التجديد؟
د. بركات النمر العبادي
02-06-2026 01:58 PM
* قراءة في ضوء تقرير "مؤشر شيخوخة الحكومة – الأردن 2026" ورؤية الفكر المحافظ الأردني الحديث
أثار التقرير الذي أصدره مركز مؤشر الأداء "كفاءة" بعنوان "مؤشر شيخوخة الحكومة – الأردن 2026" نقاشاً مهماً حول طبيعة التمثيل الجيلي في السلطة التنفيذية الأردنية، ومدى انسجام البنية العمرية لمؤسسات صنع القرار مع البنية الديموغرافية للمجتمع الأردني. وتكمن أهمية هذا التقرير في أنه لا يقدم انطباعات عامة أو أحكاماً سياسية مسبقة، بل يعتمد منهجية قياس تستند إلى البيانات السكانية الرسمية والسير الذاتية المعلنة لأعضاء الحكومة، محاولاً تحويل النقاش حول تمكين الشباب وتجديد النخب إلى نقاش قائم على مؤشرات قابلة للقياس والمتابعة.
ووفقاً للنتائج التي أعلنها المركز، يبلغ متوسط أعمار أعضاء الحكومة نحو 58 عاماً، مقابل متوسط عمر يبلغ 36 عاماً للسكان الأردنيين فوق سن الخامسة عشرة ، أي بفجوة جيلية تصل إلى 22 عاماً. كما أظهر التقرير أن نحو 49.1% من الأردنيين ينتمون إلى الفئة العمرية بين 15 و44 عاماً، في حين لا يوجد تمثيل مباشر لهذه الفئة داخل مجلس الوزراء وفق منهجية الدراسة.
هذه الأرقام تطرح سؤالاً يتجاوز الجانب الإحصائي إلى البعد الفلسفي والسياسي: هل تستطيع الدولة الحديثة أن تحافظ على استقرارها وتجددها في الوقت نفسه؟ وهل تكفي الخبرة وحدها لإدارة مجتمع يتغير بوتيرة متسارعة، أم أن تجديد النخب أصبح ضرورة مؤسسية لضمان استمرارية الدولة وفاعليتها؟
بين شرعية الخبرة وشرعية التمثيل
من الخطأ النظر إلى القضية باعتبارها صراعاً بين الأجيال أو مفاضلة بين الشباب والخبرة ، فالدول لا تُدار بالحيوية وحدها ، كما لا تُدار بالخبرة وحدها، إن نجاح الدولة الحديثة يقوم على تحقيق توازن بين شرعية الخبرة وشرعية التمثيل.
فالخبرة السياسية والإدارية المتراكمة تشكل رصيداً وطنياً لا يمكن الاستغناء عنه، خصوصاً في دولة تواجه تحديات إقليمية واقتصادية معقدة مثل الأردن ، لكن في المقابل، فإن غياب الأجيال الشابة عن دوائر صنع القرار قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين السياسات العامة والتحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي يعيشها المجتمع.
وهنا تكمن أهمية تقرير مركز "كفاءة"، ليس لأنه ينتقد حكومة بعينها، بل لأنه يلفت الانتباه إلى اتجاه بنيوي متواصل أظهرته المقارنة بين حكومات الرزاز والخصاونة وحسان، حيث ارتفع متوسط أعمار الفرق الوزارية تدريجياً من 55 إلى 57 ثم إلى 58 عاماً.
التحديث السياسي لا يعني القطيعة
ففي الفكر المحافظ التقليدي غالباً ما يُنظر إلى الاستقرار بوصفه القيمة العليا ، أما الفكر المحافظ الأردني الحديث فيتبنى رؤية أكثر تركيباً تقوم على أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بمقاومة التغيير، بل بإدارته بصورة متدرجة ومؤسسية.
ومن هذا المنطلق، فإن تجديد النخب السياسية لا يُفهم بوصفه انقلاباً على الخبرة أو قطيعة مع الأجيال السابقة، وإنما باعتباره عملية طبيعية لضمان استمرارية الدولة وتجددها ، فالدولة القوية ليست تلك التي تستبدل نخبها بالكامل، ولا تلك التي تُغلق أبوابها أمام الأجيال الجديدة، بل الدولة التي تنجح في بناء جسور انتقال آمنة بين الأجيال.
ويؤكد الفكر المحافظ الأردني الحديث أن المؤسسات الوطنية يجب أن تجمع بين : الخبرة المتراكمة ، الكفاءة المهنية ، التمثيل الجيلي المتوازن ، الانتماء الوطني والمسؤولية العامة ، ذلك أن المحافظة السياسية في معناها الحديث لا تعني الجمود ، بل تعني الإصلاح المتدرج الذي يحافظ على الاستقرار ويمنع القفزات غير المحسوبة.
الفجوة الجيلية وسؤال المستقبل
تزداد أهمية هذه القضية إذا ما نظرنا إلى طبيعة التحديات التي تواجه الأردن اليوم ، فالأجيال الشابة هي الأكثر ارتباطاً بملفات : - التحول الرقمي - الذكاء الاصطناعي - ريادة الأعمال - الاقتصاد الرقمي – البطالة - الإسكان - تأخر الزواج وتحديات الأسرة.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن معدلات البطالة بين الشباب ما تزال أعلى من المتوسط الوطني، وأن الضغوط الاقتصادية أصبحت عاملاً مؤثراً في العديد من التحولات الاجتماعية ، ومن هنا فإن توسيع مشاركة الأجيال الشابة في مواقع القرار لا يمثل استجابة لمطلب فئوي، بل يعزز قدرة الدولة على فهم المشكلات الجديدة وصياغة سياسات أكثر التصاقاً بالواقع الاجتماعي.
نحو عقد مؤسسي بين الأجيال
إن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من تقرير مركز "كفاءة" هو أن قضية التمثيل الجيلي ينبغي ألا تُختزل في عدد الوزراء الشباب داخل الحكومة ، بل يجب أن تُناقش في إطار أوسع يتعلق بآليات إنتاج النخب السياسية والإدارية في الدولة ، فالتحدي الحقيقي ليس الوصول إلى حكومة أصغر سناً، وإنما بناء منظومة تتيح : - اكتشاف القيادات الشابة وتأهيلها - دمجها تدريجياً في مواقع المسؤولية - الاستفادة من الخبرات الوطنية المتراكمة - تحقيق التوازن بين الاستقرار والتجديد.
وختاما، يُحسب لمركز مؤشر الأداء "كفاءة" أنه قدّم مؤشراً جديداً يثري النقاش العام حول التحديث السياسي في الأردن، بعيداً عن السجالات والانطباعات، فالفجوة الجيلية ليست حكماً على أداء الحكومات ، لكنها مؤشر يستحق الدراسة والتأمل.
ومن منظور الفكر المحافظ الأردني الحديث ، فإن التحدي لا يكمن في استبدال جيل بآخر، بل في بناء شراكة وطنية بين الأجيال ، تُبقي على الخبرة باعتبارها قيمة استراتيجية للدولة ، وتفتح في الوقت ذاته المجال أمام الطاقات الجديدة للمشاركة في صياغة المستقبل ، فالدولة المستقرة هي التي تعرف كيف تحافظ على ذاكرتها المؤسسية ، وكيف تمنح المستقبل فرصة الجلوس إلى طاولة القرار.
حمى الله الاردن من كل كريهة
حزب المحافظين الاردني – الامين العام المساعد للثقافة الحزبية