facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إلى متى سنظل نلعن سايكس وبيكو؟


د. دانييلا القرعان
02-06-2026 03:54 PM

كلما تعثرت أقدامنا في حفرة، قلنا سايكس وبيكو، وكلما اشتعل نزاع، أو ضاعت فرصة، أو فشلت دولة في إدارة شؤونها، خرج الرجلان من قبريهما ليُحمَّلا مسؤولية ما جرى وما سيجري، كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة التي انحنى فيها قلم على خريطة المشرق قبل أكثر من قرن.

لا أحد يدافع عن سايكس وبيكو، ولا أحد ينكر أن الاتفاقية كانت تعبيراً صارخاً عن منطق القوة والاستعمار وتقاسم النفوذ، لكن ما يدعو إلى التأمل أن الرجلين نجحا في تحقيق انتصار ولم يكونا يحلمان به؛ فبعد مئة عام من رحيلهما نحن ما زلنا نمنحهما سلطة تفسير حاضرنا ومستقبلنا، وكأننا لم نكتب لو صفحة واحدة من تاريخنا بأيدينا.

رسم سايكس وبيكو خطوطاً على الورق مهما كانت تشبه، لكنهما لم يرسما موازناتنا العامة، ولم يديرا مدارسنا أو جامعاتنا، ولم يختارا مسؤولينا، لم يكتبا سياساتنا الاقتصادية، لم يقررا كيف نتعامل مع العلم والعمل والإنتاج، هناك مساحة واسعة بين جريمة الأمس ومسؤولية اليوم، في هذه المساحة يكمن الفرق بين أمة تصنع مستقبلها وأمة تبحث دائماَ عن شماعة تعلق عليها إخفاقاتها.

ثم إن الوطن، في جوهره، ليس خطاً على خريطة، الوطن ليس السلك الشائك الذي يفصل بين نقطتين حدوديتين، وليس الختم الذي على جواز السفر، وليس الإحداثيات التي تحفظها الأقمار الصناعية، الوطن هو أم تجلس على شرفة بيتها تنتظر أبناءها، وهو رائحة الخبز في الصباح، وهو أسماء القرى التي نحملها في ذاكرتنا أينما ذهبنا، وهو المقبرة التي ينام فيها الآباء والأجداد، ولهجة الناس وذكريات الطفولة وأغاني الأفراح وأحزان الوداع، الوطن يسكن في الناس قبل أن يسكن في الجغرافيا، لهذا فإن رفض ما خطه سايكس وبيكو لا يعني أن نبقى أسرى اللوحة التي رسماها، ولا يعني أن نقف كل صباح أمامها لنبصق عليها ثم نعيد تعليقها في المكان نفسه.

إذا كنا حقاً نرفض ما صنعه الرجلان، علينا أن نمتلك الجرأة على تجاوزهما، علينا أن نخلق - لو في خيالنا أولاً - ما ينتقم لنا منهما، كأن نرسم نحن خرائطنا الجديدة؛ خرائط علم بدل جهل، وتنمية بدل تبعية، وتكامل بدل تناحر، ومستقبل بدل اجترار ماضي، لأن الأمم لا تثأر من التاريخ بالبكاء عليه، بل بصناعة تاريخ جديد يجعل أخطاء الأمس هامشاً في كتاب الإنجازات.

نعم، مضى على سايكس وبيكو أكثر من قرن، ونحن ما زلنا نعيش معهما، نستدعيهما في الخطب والمقالات والحوارات، ونمنحهما من الحضور ما لم ينله كثير من أبطال تاريخنا، لربما آن الأوان أن نودعهما أخيراً، ليس غفراناً لهما ولا نسياناً لما فعلاه، بل لأن الأمم الحية لا تبقى واقفة عند المقابر، بل تحترم التاريخ، وتتعلم منه، ثم تمضي، أما الذين يواصلون السير إلى الخلف وهم يحدقون في الماضي، فهم لن يصلون إلى المستقبل أبداً، اللهم أني قد بلغت.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :