facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الوحدة العربية .. بين وجدان الشعوب وتحدي النعرات


أمل محي الدين الكردي
03-06-2026 08:57 AM

تتجلى الوحدة العربية اليوم في خلاصة حتمية مفادها أن هذا الفضاء الممتد من الخليج إلى المحيط ليس مجرد جغرافيا سياسية رسمتها الحدود، بل هو كتلة وجودية متكاملة بجميع أركانها. إن أول وأقوى عناصر الثبات في هذه الأركان المعاصرة هي السردية الثقافية واللغوية؛ ذلك الركن العصيُّ الذي يوحّد اللسان ويصهر الوجدان، ويجعل من الذاكرة التاريخية والثقافة المشتركة حصناً منيعاً عابراً للحدود المصطنعة.

ومؤشر هذا الثبات الشامخ نراه جلياً في فلسطين؛ فبرغم كل الانقسامات الخانقة والظروف السياسية المعقدة، يظل الالتفاف الشعبي والوجداني حول القضية الفلسطينية دليلاً قاطعاً على أن نبض الشارع العربي واحد، وأن الألم المعنوي يتخطى التخوم، ليؤكد أن العروبة حقيقة حية نابضة في وعي الشعوب لا تموت.

​ولسنا أول من تلمّس هذه الأركان وصاغ لها تنظيراً؛ ففي منتصف القرن العشرين، كتب المفكر والدبلوماسي الأستاذ عبد الرحمن عزام مقالاً فارقاً حمل عنوان "الوحدة العربية". تلخصت فكرته حينها في أن الوحدة حقيقة عنصرية وتاريخية قائمة بالفعل، صقلتها لغوياً وروحياً الرسالة المحمدية، مقسماً الأدوار استراتيجياً بين أقاليم كبرى اعتبرها رافعة المستقبل؛ متمثلة في مصر، والشام، والعراق، والجزيرة العربية، وداعياً بصرامة إلى أن تكون الوحدة "صناعة محلية" خالصة، تنبع من إرادة الأمة وبعيداً عن دهاء المستعمرين ودسائس الأجانب.

واليوم، ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين، نعود لنضع خلاصة أخرى وقراءة واقعية لما نراه ونشعر به في عمق واقعنا المعاصر:
​إن أخطر ما نراه اليوم ويواجه هذه الأمة، هو تفاقم التحديات الداخلية وصعود الهويات الفرعية، وهو الواقع المرير الذي يتجلى بأقسى صوره في سوريا، والعراق، واليمن. لقد طرح عبد الرحمن عزام في زمانه حلولاً بدت "مثالية" لبعض المعضلات؛ فحذّر العراق مثلاً من الفتنة المذهبية ومن المسألة العرقية داعياً لحلهما بالأخوة وحسن النوايا. لكن واقعنا المعاصر أثبت أن قضايا الهويات الفرعية (الطائفية والعرقية والمناطقية) أصبحت أكثر تعقيداً وعمقاً؛ حيث تغلغلت لتتحول إلى نعرات واضحة ومسلحة نراها ونلمسها بيننا اليوم في تلك الحواضر التي تمزق نسيجها الاجتماعي، وأُضعفت فيها بنية الدولة الوطنية نتيجة غياب التضامن العربي وسيادة الأجندات والتدخلات الخارجية.

وفي مقابل هذا المشهد القاتم، يبرز الأردن كنموذج استثنائي وفريد للوعي والتماسك؛ فبفضل جبهته الداخلية المحصنة، ووعي شعبه وتلاحمه، نجح في النأي بنفسه عن مستنقع النعرات الطائفية والإقليمية. لقد قدم الأردن نموذجاً حياً للعيش المشترك والمواطنة الشاملة، وصهر موجات اللجوء الإنساني في نسيجه الوطني كأشقاء، ليظل "واحة أمن واستقرار" وركيزة صلبة تدعم قضايا أمته وتثبت أن قوة الدولة تبدأ من تلاحم مجتمعها ونبذ خطابات التفرقة.

أما ما نشعر به في الختام، فهو تلك الجدلية المستمرة بين ألم الواقع وأمل الهوية؛ فرغم مرارة التمزق المحيط بنا، إلا أن الإيمان لا يزال دافقاً بأن النواة الصلبة لهذه الأمة -المتمثلة في سرديتها الثقافية واللغوية وفي النماذج الوطنية الواعية كالأردن- قادرة على تجاوز هذه الأزمات الطارئة إذا ما اقترنت الإرادة الشعبية بالوعي السياسي الحقيقي.

الخلاصة المعاصرة هي أن وحدة القرن الحادي والعشرين لم تعد مجرد حلم لإلغاء الحدود بالشعارات الكلاسيكية، بل هي معركة واعية ومستمرة لـ "تحصين الجبهات الداخلية، ومحاربة النعرات والهويات الفرعية، وترسيخ مفهوم الدولة الوطنية القوية، وبناء شبكة مصالح اقتصادية وتكنولوجية مشتركة"؛ ليكون الأمن الحقيقي والاعتماد المطلق على الذات هما السبيل الوحيد لحفظ كرامة هذه الأمة وصون رسالتها الحضارية لجيل المستقبل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :