facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




السفر الأكاديمي: استثمار في المعرفة لا بند في الإنفاق


أ. د. فادي عواودة
03-06-2026 01:54 PM

في إطار الجهود الحكومية الرامية إلى ترشيد الإنفاق العام، جاء قرار وقف سفر الوفود والبعثات الحكومية ليعكس حرص الدولة على صون المال العام وتوجيه الموارد نحو الأولويات الوطنية. وهو توجه يحظى بالتقدير والدعم من حيث المبدأ، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تتطلب أعلى درجات المسؤولية في إدارة النفقات العامة.

غير أن التطبيق الشامل لهذا القرار على أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الحكومية، بما يشمل الحد من مشاركتهم في المؤتمرات العلمية الدولية، يستدعي وقفة تأمل وإعادة نظر. فالقضية لا تتعلق بالاعتراض على مبدأ الترشيد ذاته، وإنما بضرورة التمييز بين أوجه الإنفاق المختلفة، والنظر إلى بعضها بوصفه استثمارًا طويل الأمد لا مجرد تكلفة مالية آنية.

فالمؤتمرات العلمية الدولية ليست نشاطًا هامشيًا أو ترفًا أكاديميًا بالنسبة للباحثين وأعضاء هيئة التدريس، بل تمثل جزءًا أساسيًا من منظومة البحث العلمي والتعليم العالي. ومن خلالها يعرض الباحثون نتائج أعمالهم العلمية أمام المتخصصين، ويتلقون الملاحظات التي تسهم في تطوير أبحاثهم، ويقيمون شراكات بحثية تفتح آفاقًا لمشاريع مشتركة وفرص تمويل دولية. كما تتيح لهم الاطلاع المباشر على أحدث التطورات في تخصصاتهم، وهو ما ينعكس إيجابًا على جودة التدريس والمحتوى العلمي الذي يقدمونه لطلبتهم.

ولا تقتصر آثار هذه المشاركات على الباحث الفرد، بل تمتد إلى الجامعة والدولة على حد سواء. فالحضور الفاعل للباحثين الأردنيين في المحافل العلمية الدولية يعزز مكانة الجامعات الأردنية على الخريطة البحثية العالمية، ويدعم جهودها في تحسين تصنيفاتها الدولية، ويرسخ صورة الأردن بوصفه شريكًا فاعلًا في إنتاج المعرفة وتبادلها. ومن هذا المنطلق، فإن مشاركة أكاديمي في مؤتمر دولي لتقديم بحث علمي محكّم لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد رحلة خارجية، بل باعتبارها استثمارًا معرفيًا له عائد أكاديمي ومؤسسي يمكن قياسه وتلمس آثاره.

ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين أشكال السفر الحكومي المختلفة. فالسفر ذو الطابع البروتوكولي أو الإداري، الذي قد لا يترتب عليه مخرجات علمية أو تنموية مباشرة، يختلف بطبيعته وأهدافه عن السفر المرتبط بتقديم أبحاث علمية محكّمة والمشاركة في نشاط أكاديمي متخصص. إن التعامل مع النوعين بالمعيار ذاته قد يحقق تبسيطًا إداريًا، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى تقليص استثمار حقيقي في البحث العلمي، بينما كان الهدف الأصلي هو الحد من الإنفاق غير الضروري.

كما أن هذا التمييز ينسجم مع التوجهات الوطنية التي تضع الابتكار واقتصاد المعرفة وتطوير التعليم العالي في صدارة أولوياتها.

فالباحث الذي يعود من مؤتمر دولي لا يعود فقط بما اكتسبه من معرفة، بل يحمل معه فرص تعاون جديدة، وأفكارًا بحثية مبتكرة، وشبكات مهنية وعلمية يمكن أن تسهم في تعزيز أداء مؤسسته وخدمة أهداف التنمية الوطنية.

والواقع أن الجامعات الأردنية لا تتعامل مع السفر الأكاديمي بوصفه امتيازًا مفتوحًا، بل تنظمه وفق معايير صارمة تضمن ارتباطه المباشر بالإنتاج العلمي. فالمشاركة في المؤتمرات الدولية غالبًا ما تكون مشروطة بقبول بحث علمي محكّم، وتخضع لإجراءات موافقة ومراجعة مؤسسية دقيقة. ومن ثم فإن هذا النوع من السفر يمثل أصلًا نموذجًا للإنفاق الموجَّه والمرتبط بمخرجات علمية واضحة، لا إنفاقًا مفتوحًا أو غير منضبط يحتاج إلى مزيد من التقييد.

إن الدعوة إلى مراجعة هذا الجانب من القرار لا تنطلق من رفض مبدأ الترشيد، بل من الحرص على أن يكون الترشيد أكثر دقة وفاعلية. فالدول التي تسعى إلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة لا تنظر إلى البحث العلمي والتواصل الأكاديمي الدولي باعتبارهما نفقات قابلة للاستغناء، وإنما استثمارات استراتيجية تعزز قدرتها التنافسية وتدعم مسار التنمية المستدامة.

إن الأردن، بما يمتلكه من كفاءات أكاديمية وبحثية متميزة، يحتاج إلى أن يبقى حاضرًا في الحوار العلمي العالمي، وأن تظل جامعاته جزءًا فاعلًا من منظومة إنتاج المعرفة الدولية. وتحقيق هذا الهدف لا يتعارض مع الإدارة الرشيدة للمال العام، بل ينسجم معها عندما يُنظر إلى بعض أوجه الإنفاق من منظور استثماري بعيد المدى، يأخذ في الحسبان ما تحققه من عوائد علمية وتنموية تتجاوز بكثير كلفتها المباشرة.

ومن هنا، فإن إعادة النظر في شمول السفر الأكاديمي العلمي بقيود السفر الحكومي تمثل خطوة من شأنها أن تحقق التوازن المطلوب بين الانضباط المالي الذي تنشده الدولة، ومتطلبات التنمية المعرفية التي تشكل أحد أهم مرتكزات مستقبل الأردن.

* الجامعة الهاشمية

[email protected]





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :