ليست المشكلة أن يختلف الناس مع تصريح سياسي أو تاريخي يصدر عن مسؤول سابق. الاختلاف حق، والنقد واجب حين تمس الكلمات صورة الوطن أو رمزيته أو تاريخه. لكن المشكلة تبدأ حين يغادر النقاش مضمونه، وينتقل من محاسبة العبارة إلى محاكمة صاحبها، ومن نقد الفكرة إلى التفتيش في الأصل.
ما حدث أخيراً على مواقع التواصل الاجتماعي يكشف هذا الخلل بوضوح. تصريح لمسؤول أردني سابق أثار جدلاً واسعاً، وكان من الطبيعي أن يناقشه الناس، وأن يعترضوا عليه، وأن يطالبوا بتوضيح المقصود منه. لكن غير الطبيعي أن يتحول جزء من هذا النقاش إلى سؤال عن الخلفية والأصل والانتماء، وكأن خطأ العبارة، إن وُجد، لا يُناقش بوصفه خطأً سياسياً أو لغوياً أو تاريخياً، بل يُستعمل مدخلاً لإعادة فتح ملف الهوية.
هنا يصبح الخلل محدداً لا عاماً. نحن لا نتحدث عن مجتمع كامل، ولا نتهم الناس جميعاً، ولا نقول إن الأردنيين يفكرون بهذه الطريقة. بل نتحدث عن نمط يتكرر عند بعض الأصوات على السوشيال ميديا: كلما صدر تصريح حساس من شخصية عامة، يظهر من يحاول تفسير الموقف من خلال الأصل، لا من خلال الكلام نفسه. وكأن الرأي لا يُفهم إلا عبر النسب، وكأن الوطنية لا تُقاس بالموقف، بل بالخلفية العائلية.
هذا هو موضع النقد الحقيقي.
من حق أي أردني أن يغضب من تصريح يراه مسيئاً للأردن. ومن حقه أن يرد بقوة، وأن يقول إن حدود الأردن ليست مزحة، وإن الدولة لم تُبنَ بكلمة عابرة، وإن تاريخ البلد أكبر من توصيف غير موفق. لكن ليس من حق أحد أن يحوّل الرد إلى فرز بين أردني “كامل” وأردني “مشروط”، أو أن يجعل الأصل قرينة على النية، أو أن يلمّح إلى أن الانتماء يحتاج إلى شهادة إضافية.
الفرق كبير بين أن نقول: هذا التصريح مرفوض، وبين أن نقول: هذا التصريح صدر لأنه من أصل كذا.
الأولى نقد مشروع.
والثانية انزلاق خطير.
فحين يُختصر صاحب الرأي في أصله، يخسر النقاش أخلاقه. وحين تتحول السوشيال ميديا إلى محكمة هوية، يصبح الوطن نفسه أصغر من معناه. لأن الوطن لا يُحمى بالتشكيك في أبنائه، ولا تُصان كرامته بتجريح مواطنيه، ولا تُدافع رمزيته عبر فتح دفاتر الأصل والمنبت.
الأصل لا يفسر الخطأ.
والمنبت لا يبرر التصريح.
والخلفية العائلية ليست دليلاً على الولاء أو عدمه.
إذا أخطأ مسؤول سابق في التعبير، فليُنتقد تعبيره. وإذا أساء التقدير، فلتُناقش إساءته. وإذا احتاج الكلام إلى توضيح، فليُطلب التوضيح. أما أن يتحول النقاش إلى سؤال: من أين هو؟ وما أصله؟ وماذا يعني ذلك؟ فهذه ليست وطنية، بل إضعاف لمعنى المواطنة.
الوطنية الحقيقية لا تحتاج إلى تفتيش في الهويات. الوطنية الحقيقية تظهر حين نحمي النقاش العام من العنصرية الناعمة، ومن التصنيف، ومن تحويل الاختلاف السياسي إلى امتحان أصل. فالدولة التي يقوم دستورها على المساواة بين الأردنيين لا يجوز أن تسمح الثقافة اليومية فيها بأن تُنتج درجات غير معلنة من المواطنة.
الدستور الأردني واضح في روحه قبل نصه: الأردنيون سواء في الحقوق والواجبات. وهذه المساواة لا تكون كاملة إذا بقيت اللغة الاجتماعية تمارس تمييزاً غير مكتوب. فالتمييز لا يأتي دائماً من قانون أو قرار، بل قد يأتي من تعليق، أو منشور، أو وسم، أو عبارة يطلقها شخص على منصة اجتماعية فيحوّل مواطناً كاملاً إلى مواطن يحتاج إلى تفسير.
ما حدث على السوشيال ميديا يجب أن يدفعنا إلى سؤال أكثر دقة: كيف ننتقد دون أن نفرز؟ كيف نغضب للوطن دون أن نظلم مواطناً؟ كيف نرفض التصريح دون أن نستخدم الأصل سلاحاً؟ وكيف نحافظ على هيبة الأردن دون أن نهدم أحد أهم معانيه: المواطنة المتساوية؟
ليس المطلوب الدفاع عن أي تصريح خاطئ. وليس المطلوب إسكات الناس أو منعهم من الاعتراض. المطلوب فقط أن يبقى النقد في مكانه الصحيح: نقد الكلام، لا الأصل. نقد الموقف، لا النسب. نقد المعنى، لا الخلفية.
فالذي يخدم الأردن ليس من يرفع صوته بالتخوين، بل من يرفع مستوى النقاش. وليس من يفتش في جذور الناس، بل من يتمسك بأن المواطنة لا تُجزأ. وليس من يحوّل كل خلاف إلى سؤال هوية، بل من يصر على أن الأردني، أيّاً كان أصله أو منبته أو لهجته أو ذاكرته العائلية، يبقى أردنياً كامل الحقوق والكرامة.
وقد يكون من المناسب، في ظل تكرار مثل هذه الحالات، تعزيز النص الدستوري أو القانوني بعبارة أكثر صراحة حول المواطنة الجامعة، مثل:
بند مقترح حول حق المواطنة:
“المواطنة أساس العلاقة بين الفرد والدولة، وتقوم على المساواة الكاملة في الكرامة والحقوق والواجبات بين جميع الأردنيين والأردنيات. ولا يجوز الانتقاص من أهلية أي مواطن أو مواطنة، أو التشكيك في انتمائه، أو ترتيب أي أثر قانوني أو اجتماعي أو إداري على أساس الأصل أو المنبت أو النسب أو اللهجة أو المنطقة أو الخلفية العائلية أو الثقافية. وتلتزم الدولة ومؤسساتها بحماية الهوية الوطنية الجامعة، وتعزيز السلم الاجتماعي، ومناهضة كل خطاب أو ممارسة تمس مبدأ المواطنة المتساوية.”
مثل هذا النص لا يمنع النقد، ولا يحمي المسؤولين من المساءلة، ولا يصادر حق الناس في الاعتراض. لكنه يضع حداً فاصلاً بين نقد التصريحات وبين الاعتداء على معنى المواطنة. فالمسؤول السابق، أو الوزير السابق، أو النائب، أو الكاتب، أو أي شخصية عامة، يمكن نقده ومحاسبته سياسياً وأخلاقياً وإعلامياً، لكن لا يجوز تحويل أصله إلى مادة اتهام.
الأردن أكبر من تصريح عابر، وأكبر أيضاً من رد فعل غاضب يفقد بوصلته.
والدفاع عن الأردن لا يكون بتضييق معنى الأردنية، بل بتوسيعه.
ولا يكون بتقسيم الناس إلى درجات، بل بتثبيت أن المواطنة لا تقبل “لكن”.
أردني.
هذه وحدها يجب أن تكفي.
أما ما يقوله الإنسان بعد ذلك، فيُحاسب عليه بميزان الفكرة والمسؤولية والاحترام، لا بميزان الأصل والمنبت والذاكرة العائلية. وحين نتعلم هذا الفرق، نكون قد انتقلنا من رد الفعل إلى الوعي، ومن غضب السوشيال ميديا إلى نضج المواطنة.