facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




​في ذكرى رحيله .. الملك الذي غادر العرش وتربّع في ضمير الأمة


أمل محي الدين الكردي
04-06-2026 10:49 AM

​تمرُّ علينا هذه الأيام ذكرى رحيل رجلٍ لم يكن مجرد ملكٍ أو أمير، بل كان عنواناً لمرجعية أمة تلمس خطى استقلالها في لحظة تاريخية فارقة، إنه الشريف الحسين بن علي، سليل بيت النبوة الكريم، ومطلق رصاصة الثورة العربية الكبرى ومحيي مجد العرب، الذي ودعته الأمة في مشهد جنائزي مهيب اهتزت له العواصم والمدن من عمان والسلط إلى القدس، بعد حياة حافلة بالجهاد السياسي، متمسكاً بالثوابت القومية والشرعية التي رفض المساومة عليها حتى رمقه الأخير.

ولم يكن الشريف الحسين يبحث عن عرشٍ زائل عندما أعلن ثورته عام 1916، بل كان يبحث عن هوية الأمة واستقلالها، وعندما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها وتكشّفت مؤامرات الحلفاء عبر اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور المشؤوم، وقف هذا الشيخ الهاشمي كـالطود الشامخ، رافضاً التوقيع على معاهدة فرساي أو أي صكّ يفرط بشبر واحد من أرض فلسطين أو يقر بالانتداب، فدفع ثمن مواقفه القومية نفياً وإقصاءً، لكنه كسب خلوداً في ضمير التاريخ كملكٍ فضّل النفي واللجوء على خيانة أمته والقبول بتجزئتها.

وفي الساعة الثالثة من بعد نصف الليل، صعدت روح منقذ العرب إلى بارئها في قصر نجله الأمير عبد الله (الملك عبد الله الأول لاحقاً) بعمان، لتبدأ ملحمة الوداع التي لم تكن حدثاً عابراً، بل زلزالاً وجددانياً حرك سواكن الأمة؛ حيث أغلقت عمان حوانيتها بالكامل، ونكّست أعلامها، ودوت مدافعها تودع الجسد الطاهر. ومن عمان انطلق الموكب الجنائزي المهيب متوجهاً نحو حاضرة البلقاء، مدينة السلط، التي استيقظت على "مصيبة العرب بالحسين" ونفوس أهلها تذوب أسى وحسرة، فانتظم في شوارعها وجبالها الجنود والضباط ومتصرف المنطقة وعموم الرؤساء الروحيين، وطلبة المدارس وفرق الكشافة التي رفعت الأعلام السوداء، وازدحمت الشوارع بجموع حاشدة تعد بالآلاف تبركاً بالنعش وتحية له، بينما اعتلت النساء الأسطح يندبن وينحن ويرسلن الزفرات في الفضاء حزناً على رحيل "عدو الاستعمار وعشيق الحرية"، حتى إذا كانت الساعة الحادية عشرة، مرّ النعش الكريم محفوفاً بالعظمة والمهابة، تتبعه سيارات جلالة الملك علي وسمو الأمير عبد الله، وتتقاطر خلفهما نحو تسعين سيارة تقل عظام القوم ورجالات البلاد، وسط تحيات الحزن والوداع من الجماهير والجنود الذين لم تبقَ فيهم عين إلا وهي تفيض بالدموع.

تابع الموكب خط سيره التاريخي متوجهاً نحو الأرض المباركة، فجلّى الوفاء الشعبي أبهى صوره في رحلة الموكب الجنائزي نحو فلسطين، حين شقت السيارات طريقها عبر غور الأردن لتستقبلها حشود موظفي حكومة فلسطين وأهالي البلاد الذين هرعوا إلى الطرقات وتسببوا في إبطاء الموكب مراراً من شدة الزحام. وتحولت الطرقات من أريحا ومن كنيسة العذراء شرق القدس حتى باب الزاهرة إلى تظاهرة شعبية وقومية عارمة غصت بالجموع، حيث هرعت إليها الوفود من المسلمين والمسيحيين، وقناصل الدول وطلاب المدارس وفرق الكشافة، ووقف الجميع مبهوتين أمام هذا الالتفاف الشعبي العفوي حول جنازة ملكٍ مخلوعٍ من عرشه الدنيوي، لكنه متوجٌ في قلوب شعبه وأمته.

ولم يكن اختيار دفن الشريف الحسين في أحد أروقة الحرم الشريف بالقدس محض صدفة، بل كان وثيقة سياسية وتاريخية مكتوبة بالدموع والوفاء؛ فالرجل الذي بذل ماله وجهده لإعمار المسجد الأقصى المبارك في الإعمار الهاشمي الأول، ورفض بيع فلسطين، كان أولى بها أن تحتضنه في باطن أرضها. وعندما وصل الموكب باب العمود وسط تحية عسكرية من الجند، ودخل الجثمان الطاهر إلى المسجد الأقصى وساحة قبة الصخرة المشرفة حوالي الساعة الرابعة عصراً حيث صُلّي عليه وسط عزف الألحان الجنائزية ونحيب المؤبنين، كان المشهد يختصر حكاية أمة تلخصت في أن القائد يدفن في الأرض التي دافع عنها، ليبقى ضريحه هناك شاهداً أبدياً على عروبة القدس وفلسطين، ورسالةً حية للأجيال بأن العهود لا تموت بموت أصحابها.

وكما صرخ الشاعر الكبير معروف الرصافي في وجه تلك الأحداث بأبياته الخالدة الموجهة للملك فيصل الأول يعزيه بأبيه ويدعو لعدم الرضا بوعود الحلفاء وعهودهم الناكثة، فإن ذكرى الشريف الحسين بن علي اليوم لا تأتي للبكاء على الأطلال، بل لاستلهام معاني العزة والتمسك بالحقوق، فقد رحل ملك العرب جسداً، لكنه ترك خلفه إرثاً من الكبرياء السياسي، وتاريخاً يثبت أن الملوك الحقيقيين هم من يكتبون أسماءهم بمواقفهم الثابتة لا بمدة جلوسهم على العروش. وإن إنصاف الشريف الحسين في ذكراه يكون بقراءة تاريخه بعين التجرد، ومعرفة أنه كان ضحية لمؤامرة دولية كبرى لأنه قال "لا" في زمن الإملاءات، وهو ما خلدته وثائق التاريخ وصفحات الجرائد المعاصرة لرحيله كشاهد صدقٍ على وعي الأمة وولائها، فسلامٌ على روحه في مرقدها بالقدس الشريف، وسلامٌ على أمة ما زالت تنبض بذكراه ومبادئه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :