إربد التي نعرفها .. أكبر من حادثة وأكبر من سلوك عابر
صالح الشرّاب العبادي
04-06-2026 11:40 AM
في الأردن، وفي شمال الأردن تحديدًا، هناك حيث خدمت في معظم مناطقه، وعرفت قرى ومدنًا وسهولًا وجبالًا لا تزال تحتفظ بروح الأردن الأولى، رأيت الأصالة كما يجب أن تكون، والكرم كما يجب أن يكون، والرجولة كما تعلمناها من آبائنا وأجدادنا.
هناك عرفت عشائر وعائلات عزيزة على قلبي من مختلف عشائر الشمال دون استثناء، رجالات ومسؤولين ورفقاء سلاح ودرب وخدمة، رجالًا يفخر المرء بمعرفتهم، وأسرًا لا تزال تحمل إرثًا طويلًا من القيم والأخلاق والاحترام ، كما عرفت بين أهل الشمال أهل الثقافة والأدب والعلم والفن، أولئك الذين جعلوا من هذه المنطقة مدرسة وطنية في الانتماء والوعي والمحبة.
ولعل أكثر ما يميز إربد ومناطق الشمال تلك العلاقة الفطرية مع قيم الكرم والشهامة وإغاثة الملهوف. فالضيف يُكرم، والغريب يُحترم، وصاحب الحاجة يجد من يعينه قبل أن يطلب المساعدة. هكذا عرفنا أهلنا هناك، وهكذا كانت سيرتهم بين الأردنيين جميعًا ، بل إن كثيرًا من أبناء الشمال يعتبرون الوقوف إلى جانب المحتاج والضعيف واجبًا أخلاقيًا لا ينتظر مقابلاً ولا شكورًا.
لهذا كله، كانت الأخبار المتداولة مؤخرًا عن حادثتي الاعتداء في إربد صادمة للكثيرين.
صادمة ليس لأن تجاوزات أو جرائم قد وقعت، فهذه تحدث في مختلف المجتمعات والدول، ولكن لأن تفاصيل ما جرى بدت غريبة عن البيئة التي عرفناها وعشنا بين أهلها. فأن يتحول خلاف إلى اعتداء جماعي على عائلة، أو أن تتكرر مشاهد الاعتداء داخل أحد المطاعم من قبل مجموعة من الشباب، فهذه سلوكيات لا تشبه إربد التي نعرفها، ولا تمثل أخلاق أهلها.
إن الاعتداء على أب أمام زوجته وأبنائه، أو على أسرة جاءت تبحث عن الأمان والراحة، أو ممارسة العنف الجماعي ضد أفراد داخل مكان عام، ليست مظاهر قوة ولا رجولة، بل تعبير عن خلل في فهم معنى القوة ومعنى احترام الإنسان. فالقوة الحقيقية ليست في عدد المعتدين، ولا في استعراض الهيمنة على الآخرين، بل في ضبط النفس، واحترام القانون، والقدرة على معالجة الخلاف دون اللجوء إلى العنف.
وفي أعراف الأردنيين الأصيلة، لا تُقاس الرجولة بالبطش، ولا تُثبت الشهامة بالاعتداء على الضعفاء أو المعزولين أو من لا يملكون وسيلة للدفاع عن أنفسهم. الرجولة التي عرفناها هي حماية الضعيف، وإغاثة الملهوف، وإطفاء نار الفتنة والخلاف، لا إشعالها.
ومن الظلم كذلك أن تُختزل محافظة بحجم إربد، بتاريخها وعشائرها وجامعاتها ومثقفيها وأهلها، في تصرفات مجموعة من الأشخاص. فالحوادث الفردية مهما كانت مؤسفة لا تمثل إلا أصحابها، ولا يجوز أن تتحول إلى حكم على محافطة بأكملها أو على مجتمع عُرف لعقود طويلة بالعلم والأخلاق والتماسك الاجتماعي.
لكن في المقابل، فإن حماية صورة إربد الحقيقية لا تكون بإنكار المشكلة أو التخفيف من خطورتها، بل بمواجهتها والاعتراف بأن بعض السلوكيات الدخيلة بدأت تظهر بين فئة محدودة من الشباب، وهي سلوكيات تحتاج إلى وقفة جادة من الأسرة والمدرسة والمسجد والمؤسسات التربوية والإعلامية والقدوات الخيريين، حتى لا تتحول الحالات الفردية إلى ظواهر تؤثر في السلم المجتمعي.
إن الخلافات بين الناس أمر طبيعي في كل مجتمع، لكن الفارق بين مجتمع تحكمه القيم والقانون ومجتمع تسوده الفوضى هو كيفية إدارة تلك الخلافات. فعندما يصبح العنف وسيلة للحوار، وعندما يحاول البعض فرض رأيه أو حضوره بالقوة، فإن الخطر لا يهدد الضحية وحدها، بل يهدد منظومة القيم التي حافظ عليها الأردنيون جيلاً بعد جيل.
وفي الوقت نفسه، فإن سرعة تعامل الأجهزة الأمنية مع هذه الأحداث، وملاحقة المتورطين وإحالتهم إلى القضاء، تؤكد أن الدولة لا تزال حاضرة بقوة القانون، وأنه لا مكان لمن يحاول استبدال هيبة القانون بمنطق القوة أو الاستقواء الجماعي.
ستبقى إربد التي عرفناها وعشنا بين أهلها والاخوة والصداقات العظيمة والكبيرة التي كونتها مع اربد العزيرة والشمال ككل ، ستبقى مدينة العلم والثقافة والأصالة والكرم، وستبقى عشائرها وعائلاتها الكريمة أكبر من أن تُختزل في حادثة أو سلوك عابر. أما من يسيء إلى هذه الصورة بأفعاله، فهو لا يمثل إلا نفسه، لأن أخلاق أهل إربد والشمال كانت وستبقى عنوانًا للنخوة والمروءة والاحترام، وهي القيم التي ينبغي أن نحافظ عليها جميعًاورثها للأجيال القادمة.