facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هو ما في غيره


د. صالح سليم الحموري
05-06-2026 12:31 PM

في كل مرة تشتعل فيها المنطقة، أو يفتح الإعلام ملفاً سياسياً ساخناً، أو يحتاج برنامج حواري إلى من يشرح لنا ما يجري، يظهر السؤال الشعبي البسيط: هو ما في غيره؟
السؤال لا يقال دائماً بجدية كاملة. فيه شيء من المزاح، وشيء من الضيق، وشيء من الدهشة أيضاً. لكنه، مثل كثير من العبارات الساخرة، يحمل ملاحظة تستحق التوقف.

عمر عياصرة حاضر بكثافة في المجال العام الأردني. إعلامي، كاتب، محلل سياسي، نائب سابق، وعضو في مجلس الأعيان. ومن يدري، ربما وزيراً لاحقاً؛ لأنه، كما يقول السؤال الشعبي: «ما في غيره؟». يتحرك بين الشاشة والصحيفة والسياسة، ويتحدث بثقة في ملفات داخلية وإقليمية؛ من الحكومة والبرلمان، إلى غزة وإيران وإسرائيل، وما بينهما من خرائط مشتعلة وتحليلات لا تنتهي.

هذا الحضور ليس عيباً بحد ذاته. فالرجل يمتلك لغة إعلامية واضحة، وقدرة على التقاط الجملة، وصياغة الموقف بطريقة تصل سريعاً إلى الجمهور. يعرف كيف يتحدث أمام الكاميرا، وكيف يمنح البرنامج لحظة قابلة للتداول. وهذه مهارة لا تتوفر للجميع.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحضور إلى عادة، والعادة إلى تكرار، والتكرار إلى شعور عام بأن المجال العام يدور حول الوجوه نفسها. عندها لا يعود السؤال عن عمر عياصرة وحده، بل عن الإعلام نفسه: لماذا يذهب دائماً إلى الأسماء ذاتها؟ ولماذا تبدو بعض الشاشات كأنها تعيد الحلقة نفسها، مع تغيير العنوان فقط؟

في السياسة، كما في الإعلام، هناك فرق بين الصوت المؤثر والصوت المتكرر. الصوت المؤثر يضيف إلى النقاش. أما الصوت المتكرر، حتى لو لم يقصد، فقد يحجب أصواتاً أخرى. وحين يظهر المحلل نفسه في كل ملف، يصبح الجمهور أمام حالة طريفة: الشخص ذاته يشرح لنا الاقتصاد والسياسة والإقليم والحكومة والمجتمع، وربما لو سألناه عن "الطقس" لأعطانا قراءة استراتيجية للغيوم.

هنا تأتي السخرية الشعبية: هو ما في غيره؟

لكن الإنصاف يقتضي ألا نحمّل عمر عياصرة وحده مسؤولية هذه الظاهرة. فهو لم يفرض نفسه على كل شاشة، ولم يكتب أسماء الضيوف في دفاتر المنتجين. القنوات تبحث عن «الضيف الجاهز»، والبرامج تريد من يتكلم بطلاقة، والمحرر يريد اسماً يعرفه الجمهور، والمنصات تريد مقطعاً يحصد الإعجابات والتعليقات والمشاركات.

أما الجمهور نفسه، فله دور في هذه الدائرة. يشتكي من التكرار، ثم يتابع المقطع، ويعلّق عليه، وينشره، فيزيد حضوره حضوراً. وهكذا يصبح الاعتراض نفسه وقوداً إضافياً للانتشار. هذه مفارقة الإعلام الحديث: نحن نصنع النجوم الذين نسخر من كثرة ظهورهم.

عمر عياصرة يثير الآراء لأنه يقف في مساحة مزدحمة: بين الإعلام والسياسة، بين التحليل والموقف، بين اللغة الشعبية واللغة الرسمية، بين القرب من الناس والقرب من المؤسسات. مؤيدوه يرونه صاحب قراءة جريئة وحضور ذكي. منتقدوه يرونه وجهاً متكرراً أكثر مما ينبغي. وبين هؤلاء وأولئك، يبقى الرجل حاضراً، وتبقى الأسئلة معلقة.
والسؤال الأهم ليس: لماذا يظهر عمر عياصرة كثيراً؟

السؤال الأهم: لماذا لا يظهر غيره بالقدر نفسه؟

أين الأكاديميون الجدد؟ أين المختصون الشباب؟ أين الخبير الاقتصادي حين يكون الموضوع اقتصادياً؟ أين الباحث الاجتماعي حين يكون النقاش عن الناس؟ أين النساء في برامج التحليل السياسي؟ وأين الأصوات التي لم تستهلكها الشاشة بعد؟

المجال العام لا يضيق بسبب شخص واحد. يضيق عندما تكسل المؤسسات الإعلامية عن البحث. يضيق عندما يصبح الضيف الدائم أسهل من الضيف المناسب. ويضيق عندما تتحول البرامج الحوارية إلى دائرة مألوفة من الأسماء، يعرفها المشاهد قبل أن تبدأ الحلقة.

لذلك، فإن عبارة «هو ما في غيره» ليست إدانة لعمر عياصرة، بقدر ما هي ملاحظة على المشهد. ملاحظة تقول إن الجمهور يريد تنوعاً أكبر، ووجوهاً جديدة، وتحليلاً أقل استعراضاً وأكثر تخصصاً.

في النهاية، وجود عمر عياصرة ليس المشكلة. المشكلة أن حضوره يكشف فراغاً حوله. وحين يكون الفراغ واسعاً، يبدو أي حضور كبيراً أكثر مما يجب.

فالأوطان لا تفهم بصوت واحد، ولا تشرحها شاشة بوجه واحد، مهما كان هذا الوجه حاضراً، واثقاً، وجاهزاً دائماً للتعليق.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :