اليوم العالمي للبيئة 2026: العمل المناخي ليس عملاً خيرياً
عمر الشوشان
05-06-2026 12:34 PM
يأتي اليوم العالمي للبيئة لعام 2026 في لحظة فارقة من تاريخ العمل البيئي العالمي، حيث لم يعد التغير المناخي مجرد قضية بيئية تقليدية أو ملفاً تقنياً جامداً، بل أصبح محوراً رئيسياً للأمن الاقتصادي والاجتماعي والإنساني للدول. ومع شعار هذا العام "العمل من أجل المناخ اليوم"، تتأكد الحاجة الملحّة للانتقال من دائرة التشخيص والتحذير إلى دائرة الفعل والاستثمار والتحول البنيوي في أنماط الإنتاج والاستهلاك والتنمية.
لقد بات واضحاً أن كلفة التأجيل في مواجهة التغير المناخي تفوق بكثير كلفة العمل المبكر. فالجفاف المتزايد، وارتفاع درجات الحرارة، وشح المياه، وتدهور الأراضي الزراعية، وازدياد حدة الظواهر المناخية المتطرفة، كلها لم تعد أحداثاً استثنائية، بل أصبحت ملامح مرحلة جديدة من عدم الاستقرار البيئي والاقتصادي. وهذه التحولات تؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي والمائي والصحي وعلى استقرار المجتمعات ورفاهها.
وفي هذا السياق، من الضروري إعادة تعريف العمل المناخي بوصفه استثماراً استراتيجياً طويل الأمد، وليس عملاً خيرياً أو التزاماً رمزياً. فالاستثمار في الطاقة المتجددة، وكفاءة الموارد، والبنية التحتية الخضراء، وإدارة المياه، والزراعة الذكية مناخياً، والنقل المستدام، يمثل استثماراً مباشراً في تقليل المخاطر المستقبلية وتعزيز القدرة على الصمود وخلق فرص اقتصادية جديدة.
إن الاقتصادات التي سبقت في هذا المسار أثبتت أن التحول الأخضر ليس عبئاً على النمو، بل رافعة له. فقد أصبحت الاستدامة اليوم معياراً أساسياً في قرارات الاستثمار العالمية، وأحد أهم محددات القدرة التنافسية للدول والشركات. ومن هنا، فإن القطاع الخاص لم يعد مجرد طرف داعم للعمل المناخي، بل شريكاً أساسياً ومحركاً رئيسياً له، من خلال تبني نماذج أعمال منخفضة الكربون، والاستثمار في الابتكار والتكنولوجيا النظيفة، والامتثال للمعايير البيئية العالمية التي باتت جزءاً من التجارة الدولية.
وفي الأردن، تتجلى الحاجة الملحة إلى بناء نموذج وطني متكامل في العمل المناخي، يستند إلى الشراكة الفاعلة بين الحكومة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والجامعات ومراكز البحث العلمي. فالمسار المستقبلي يتطلب توحيد الجهود الوطنية وتكامل الأدوار، وتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات ذات قيمة مضافة بيئية واقتصادية واجتماعية.
وتؤدي مؤسسات المجتمع المدني البيئية دوراً محورياً في هذا الإطار، من خلال رفع الوعي العام، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتنفيذ المبادرات الميدانية، وتطوير الحلول المحلية المبتكرة، وربط السياسات البيئية بالاحتياجات الواقعية للمجتمعات. كما أن هذه المؤسسات تشكل جسراً مهماً بين صانع القرار والمجتمع، وتسهم في بناء ثقافة بيئية مستدامة قادرة على دعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر.
ولا يمكن الحديث عن العمل المناخي في الأردن بمعزل عن الواقع الجيوسياسي الذي يميز المنطقة العربية، حيث تداخلت التحديات البيئية مع الأزمات الإنسانية والنزاعات والهجرة القسرية. وفي هذا السياق، جاءت المبادرة التي أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في مؤتمرات الأطراف المعنية بتغير المناخ، لتؤكد الترابط العميق بين التغير المناخي واللجوء الإنساني، بوصفه أحد أبرز التحديات الناشئة في النظام الدولي.
لقد انطلقت هذه الرؤية من تجربة أردنية واقعية، حيث تحملت المملكة أعباءً إنسانية وتنموية استثنائية نتيجة استضافة موجات متتالية من اللاجئين، ما انعكس على الموارد الطبيعية المحدودة، خصوصاً المياه والأراضي والبيئة. ولم تقتصر هذه الضغوط على رأس المال الطبيعي فحسب، بل امتدت لتشمل البنية التحتية والخدمات العامة والطاقة والنفايات والقطاعات الحيوية كافة، ما ضاعف من تحديات التنمية والاستدامة.
ومن هنا، فإن مفهوم العدالة المناخية بالنسبة للأردن لا يقتصر على خفض الانبعاثات أو التكيف مع التغيرات المناخية، بل يشمل أيضاً الاعتراف بالأعباء المركبة التي تتحملها الدول المستضيفة للاجئين، وضرورة إدماج هذه الأبعاد ضمن آليات التمويل المناخي الدولي، وبرامج الدعم والتكيف وبناء القدرة على الصمود.
إن هذه المقاربة تعزز فهم العلاقة العميقة بين المناخ والأمن الإنساني والاستقرار الإقليمي، وتؤكد أن الاستثمار في العمل المناخي هو في جوهره استثمار في الاستقرار والتنمية والسلام.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، يمتلك الأردن فرصة حقيقية لتطوير نموذج رائد في المنطقة والعالم، يقوم على دمج العمل المناخي بالاستثمار التنموي، وتعزيز الشراكات بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وتوجيه الموارد نحو مشاريع مستدامة ذات أثر اقتصادي وبيئي واجتماعي متكامل. كما يمكن لهذا النموذج أن يعكس تجربة أردنية فريدة في تحويل التحديات إلى فرص، وبناء مسار تنموي أكثر مرونة واستدامة.
اليوم العالمي للبيئة ليس مناسبة للاحتفال الرمزي، بل محطة لإعادة تقييم المسار العالمي والوطني في التعامل مع الأزمة المناخية. إننا أمام فرصة حقيقية لإعادة صياغة علاقتنا مع البيئة على أسس جديدة، تقوم على الاستثمار المسؤول، والشراكة الفاعلة، والابتكار، والعدالة المناخية.
إن طموحنا في الأردن يجب أن يتجاوز حدود التكيف، ليصل إلى بناء نموذج وطني متكامل في العمل المناخي، نموذج يحتفى به إقليمياً ودولياً، ويجسد أن حماية البيئة ليست تكلفة، بل استثمار في المنعة والصمود.