الثقل الذي نختار حمله .. قراءة في كلمة الملكة رانيا بلندن
أ. د. فادي عواودة
06-06-2026 10:02 AM
* الرسائل والدلالات والفكر المنبثق عن خطاب يرفض التجميل
في زمن تتسابق فيه الخطابات العامة نحو بث التفاؤل السريع وتقديم الوعود الجاهزة، جاءت كلمة جلالة الملكة رانيا العبدالله في مؤتمر "ساوث باي ساوث ويست لندن 2026" مختلفة في نبرتها ومنطلقاتها. فلم تبدأ بقصة نجاح ملهمة، ولا باستعراض لإنجازات أو ابتكارات، بل بسؤال وجودي عميق: "كم يمكن للإنسان أن يتحمل، قبل أن يبدأ بالانحناء تحت ثقل ما يحمله؟"
لم يكن السؤال مجرد مدخل بلاغي، بل كان مفتاحاً لفهم الخطاب بأكمله. فمنذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن الكلمة لا تسعى إلى تقديم حلول جاهزة بقدر ما تدعو إلى إعادة التفكير في طبيعة الإنسان وعلاقته بالأعباء الفردية والجماعية في عالم يزداد تعقيداً واضطراباً.
خطاب يرفض التجميل
في ملتقى يهيمن عليه عادة خطاب الابتكار والتفاؤل التقني، اختارت الملكة رانيا أن تستحضر واقعاً مختلفاً: غزة بما تحمله من مأساة إنسانية، والسودان بما يشهده من معاناة، ولبنان بتحدياته المتواصلة، إضافة إلى أزمات المناخ واللامساواة والقلق المرتبط بالتحولات التكنولوجية المتسارعة.
هذه الإشارات لم تكن مجرد استعراض لمجموعة من الأزمات العالمية، بل حملت رسالة أخلاقية واضحة مفادها أن الحديث عن المستقبل لا يكتمل من دون مواجهة معاناة الحاضر. وكأن الخطاب يرفض الفصل بين التقدم التقني والمسؤولية الإنسانية، ويؤكد أن الابتكار لا يكتسب معناه الحقيقي إلا إذا ارتبط بخدمة الإنسان وصون كرامته.
الصالة الرياضية بوصفها فلسفة للحياة
اعتمدت الكلمة على استعارة محورية بدت بسيطة في ظاهرها، لكنها حملت عمقاً فكرياً لافتاً: الصالة الرياضية.
ففي هذا الفضاء، لا يُنظر إلى العبء باعتباره عدواً يجب الهروب منه، بل باعتباره وسيلة للنمو والتطور. والألم ليس غاية، بل مرحلة في مسار بناء القوة والقدرة على التحمّل. ومن خلال هذه الصورة، انتقلت الملكة من الحديث عن الجسد إلى الحديث عن الإنسان في مواجهة أعباء الحياة.
الفكرة الجوهرية هنا أن القوة لا تُبنى بالهروب من التحديات، بل بالتعامل معها تدريجياً وبوعي وانضباط. وهي رؤية تتجاوز البعد النفسي إلى بعد فلسفي أوسع، يقوم على اعتبار الصعوبات جزءاً من عملية التكوين الإنساني لا استثناءً عنها.
ثلاثية الاستجابة: التكاتف والانضباط والتواضع
أول هذه المبادئ هو التكاتف. وقد استحضرت في هذا السياق تجربة عالم النفس أوتو كولر التي أظهرت أن الإنسان يستطيع تحمل أعباء أكبر عندما يواجهها مع الآخرين. هنا يتجاوز التكاتف حدود التعاطف اللفظي ليصبح ممارسة فعلية ومسؤولية مشتركة.
أما المبدأ الثاني فهو الانضباط. فالخطاب ينتقد، بصورة غير مباشرة، ثقافة الإشباع الفوري التي عززتها التكنولوجيا الحديثة. وفي مقابل ذلك يدعو إلى استعادة القدرة على بذل الجهد والصبر والمثابرة، من خلال ممارسات يومية بسيطة لكنها متراكمة الأثر: الحوار بدلاً من العزلة، والتأمل بدلاً من الاستهلاك السريع للمحتوى، والبحث عن المعرفة بدلاً من الاكتفاء بتلقيها.
ويأتي التواضع بوصفه المبدأ الثالث والأكثر عمقاً. فالتواضع هنا لا يعني التراجع عن القناعات، بل الاعتراف بحدود الرؤية الفردية والانفتاح على إمكان الخطأ والتعلم. وفي زمن تتزايد فيه الاستقطابات الفكرية والسياسية، تبدو هذه الدعوة بمثابة تذكير بأهمية المرونة الفكرية بوصفها شرطاً للحوار والتقدم.
الأردن بوصفه نموذجاً
لم يكن حضور الأردن في الخطاب حضوراً رمزياً أو احتفالياً، بل جاء باعتباره مثالاً عملياً على القيم التي دعت إليها الكلمة.
فالأردن، رغم محدودية موارده وكثرة التحديات التي تحيط به، استطاع أن يحافظ على دوره الإنساني والإغاثي وأن يستوعب أعباءً تفوق كثيراً حجمه وإمكاناته. ومن خلال هذا المثال، قدمت الملكة قراءة مختلفة لفكرة القوة؛ قوة لا تُقاس بالموارد فقط، بل أيضاً بالقدرة على التضامن والصمود والالتزام الأخلاقي.
التوكل بين الإيمان والعمل
ربما كان أكثر ما يميز خاتمة الخطاب هو استحضار مفهوم التوكل في سياق دولي يغلب عليه الحديث عن الإرادة الإنسانية والقدرة على التحكم بالمستقبل.
غير أن التوكل، كما طرحته الملكة، لا يعني الاستسلام أو التخلي عن المسؤولية، بل الجمع بين أقصى درجات السعي وأقصى درجات الثقة. أن يعمل الإنسان بكل ما يملك من جهد، ثم يقبل بأن النتائج قد تتجاوز قدرته على التحكم.
ومن خلال استحضار شخصيات مثل مارتن لوثر كينغ، وانغاراي ماثاي، والملك الحسين بن طلال، أكدت الكلمة أن قيمة العمل لا تُقاس دائماً بقدرة صاحبه على رؤية ثماره، بل بقدرته على الاستمرار في حمل المسؤولية رغم عدم اليقين.
خلاصة: رسالة في فلسفة الفعل وسط العجز
في جوهرها، لم تكن كلمة الملكة رانيا خطاباً عن الأزمات بقدر ما كانت خطاباً عن الإنسان في مواجهة الأزمات. وهي لا تقدم وصفة سياسية أو تقنية، بل إطاراً أخلاقياً وإنسانياً لفهم اللحظة الراهنة: أن نتشارك الأعباء بدلاً من الهروب منها، وأن نبني قدرتنا على التحمل بدلاً من الاستسلام للعجز، وأن نتمسك بالتواضع في زمن اليقينيات الصاخبة.
ولعل الرسالة الأعمق في الخطاب تتجسد في الفكرة التي تكررت بأشكال مختلفة من بدايته إلى نهايته: إن الثقل الذي نختار حمله لا يكشف فقط عن أولوياتنا، بل يعرّف هويتنا أيضاً.