facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هل يتحدث الوزير باسمه أم باسم الحكومة؟


صالح الشرّاب العبادي
06-06-2026 10:08 AM

في الدول الحديثة لا تُقاس قيمة المسؤول بحجم الصلاحيات التي يمتلكها فحسب، بل بقدرته على تمثيل المؤسسة التي ينتمي إليها والتعبير عن سياساتها وأهدافها بصورة مسؤولة ومتزنة. فالوزير ليس ناشطاً على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا محللاً سياسياً يطرح آراءه الشخصية، بل هو جزء من منظومة حكومية، وكل كلمة تصدر عنه تُقرأ باعتبارها امتداداً لخطاب المؤسسة التي يمثلها، وتحمل في مضمونها رسائل سياسية وإدارية واجتماعية تتجاوز شخصه ومنصبه.

ومن هنا تبرز أهمية الخطاب الرسمي بوصفه أحد أدوات بناء الثقة بين الدولة والمواطن. فالمواطن لا يسمع الوزير كفرد، وإنما يسمعه بوصفه صاحب قرار ومسؤولاً عن ملف يمس حياته اليومية ومستقبله المعيشي. لذلك فإن أي تصريح يصدر عنه يتحول تلقائياً إلى رسالة رسمية تحمل دلالات وانعكاسات تتجاوز حدود التصريح نفسه، وقد يكون الخطأ في اختيار الكلمات أحياناً أكثر تأثيراً من الخطأ في القرار ذاته.

وخلال الفترة الأخيرة برزت مجموعة من التصريحات الصادرة عن بعض الوزراء أثارت جدلاً واسعاً بين المواطنين، ليس فقط بسبب مضمونها، بل أيضاً بسبب الطريقة التي قُدمت بها والأسلوب الذي خوطب به الرأي العام. وهنا يبرز سؤال مشروع: أين ينتهي الرأي الشخصي للمسؤول، وأين يبدأ الخطاب الحكومي المسؤول؟

المشكلة ليست في أن يشرح الوزير سياسات حكومته أو يدافع عنها، فهذا جزء أصيل من واجبه. لكن الإشكالية تظهر عندما يبدو الخطاب الرسمي منفصلاً عن واقع الناس أو بعيداً عن حجم الضغوط التي يعيشونها. فالمواطن الذي يواجه تحديات اقتصادية ومعيشية يومية لا ينتظر من المسؤول أن يوافقه الرأي في كل شيء، لكنه ينتظر منه أن يفهم معاناته، وأن يخاطبه بلغة تحترم قلقه وتساؤلاته، وتمنحه قدراً من الثقة والاطمئنان بأن من يدير الشأن العام يدرك حقيقة ما يمر به.

وعندما تتكرر بعض التصريحات المثيرة للجدل، يصبح من الطبيعي أن يتساءل المواطن: هل ما يُقال يأتي في إطار تهيئة الرأي العام لقرارات أو سياسات قادمة؟ أم أنه نتيجة تقديرات غير دقيقة لطبيعة الرسالة التي يحتاجها المجتمع في هذه المرحلة؟ وفي جميع الأحوال تبقى المسؤولية قائمة، لأن الوزير لا يتحدث بلسان فرد، بل بلسان مؤسسة يفترض أن يكون خطابها منضبطاً ومتسقاً مع سياساتها وأهدافها ومصالح الدولة العليا.

لقد أظهرت تجارب عديدة حول العالم أن بعض الحكومات خسرت جزءاً مهماً من رصيدها الشعبي بسبب تصريحات غير موفقة أكثر مما خسرته بسبب السياسات نفسها. فالناس قد تتقبل القرار الصعب عندما تشعر أن من اتخذه يدرك أثره عليها ويتحمل مسؤوليته، لكنها ترفض أن تشعر بأن المسؤول يتحدث من برج معزول أو يتعامل مع مخاوفها وتساؤلاتها باعتبارها مجرد ردود فعل عابرة.

إن قوة المؤسسية لا تظهر فقط في القدرة على اتخاذ القرار، بل في القدرة على شرح القرار وإقناع الناس به. فالخطاب الرسمي الناجح هو الذي يجمع بين الصراحة والاحترام، وبين الحزم والتواضع، وبين الدفاع عن السياسات والإصغاء للمواطنين، وأن تأتي التصريحات منسجمة مع السياق العام للمرحلة وتحدياتها ومتطلبات الاستقرار والثقة.

واليوم، وفي ظل التحولات المتسارعة والتحديات الداخلية والخارجية التي تواجه الوطن، تبدو الحاجة أكبر من أي وقت مضى إلى خطاب حكومي موحد ومدروس، يعكس هيبة المؤسسة ويعزز ثقة المواطنين بها. فالكلمات في العمل العام ليست مجرد تعابير عابرة، بل أدوات بناء أو هدم، وجسور ثقة أو أسباب نفور.

ومع ذلك، فإن الحكومات ومؤسساتها لا تُقاس في نهاية المطاف بعدد التصريحات التي تصدر عنها، بل بحجم الإنجاز الذي تحققه على أرض الواقع. فما يريده المواطن ليس المزيد من التوقعات أو الوعود أو القراءات المتفائلة للمستقبل، كما أنه لا يريد خطابات التخويف أو التمهيد الدائم للأسوأ، وإنما يريد نتائج ملموسة تنعكس على مستوى معيشته وخدماته وفرصه.

فالإنجاز هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى مترجم، وهو الخطاب الأكثر إقناعاً والأكثر قدرة على بناء الثقة بين الحكومة والمواطن. أما التصريحات التي تسبق الإنجاز، أو التي تذهب بعيداً في رسم صور مستقبلية غير مضمونة، فإنها ترفع سقف التوقعات وتضع الحكومة أمام اختبار أصعب كلما تأخر تحقق ما وعدت به أو لوّحت به.

ولعل الرسالة الأهم التي يجب أن يدركها كل مسؤول هي أن المواطن قد ينسى كثيراً من التفاصيل، لكنه لا ينسى أبداً الطريقة التي خوطب بها. لذلك فإن احترام الناس يبدأ من احترام عقولهم، واحترام عقولهم يبدأ من لغة مؤسسية رصينة، تبقى دائماً أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأسمى من ردود الفعل الآنية المؤقتة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :