الذكاء العاطفي لدى طلاب الجامعات، مفتاح سوق العمل
د. جهاد يونس القديمات
06-06-2026 01:30 PM
لم يعد النجاح الجامعي في عالم اليوم يقاس فقط بعدد الساعات الدراسية او حجم المعلومات التي يحفظها الطالب او حتى حول معدله التراكمي عند التخرج، بل اصبح هناك نوع اخر من الذكاء لا يقل اهمية عن الذكاء الاكاديمي بل قد يتفوق عليه في كثير من المواقف وهو الذكاء العاطفي Emotional Intelligence، ذلك النوع من الذكاء الذي يرتبط بكيف يفهم الانسان نفسه وكيف يدير مشاعره وكيف يتعامل مع الاخرين داخل بيئات معقدة وسريعة التغير مثل بيئة سوق العمل؟.
الذكاء العاطفي EI يمكن فهمه ببساطة على انه مجموعة من القدرات التي تمكن الطالب من الوعي بمشاعره وفهمها وتنظيمها، وكذلك فهم مشاعر الاخرين والتفاعل معهم بشكل صحي ومتوازن، وهذا يشمل مهارات مثل الوعي الذاتي وضبط الانفعالات والتعاطف والدافعية الداخلية ومهارات التواصل، وهي مهارات لا تظهر في الشهادات لكنها تظهر بوضوح في الحياة العملية والمهنية.
عند النظر الى الواقع التعليمي في الجامعات الاردنية نجد ان هناك فجوة واضحة بين ما يتم التركيز عليه داخل القاعات الدراسية وبين ما يحتاجه سوق العمل فعليا، حيث ما زال التركيز الاكبر على الجانب النظري والامتحانات والحفظ، بينما يتم اضعاف او تهميش الجانب السلوكي والانفعالي الذي يشكل شخصية الطالب ويحدد طريقة تعامله مع الضغوط والمواقف اليومية، وهذه الفجوة تجعل الكثير من الخريجين يملكون معرفة جيدة لكنهم يفتقرون الى مهارات التعامل مع الواقع العملي.
سوق العمل لا يهتم فقط بما يعرفه الشخص بل بكيفية استخدامه لما يعرفه، وكيف يتعامل مع الضغط، وكيف يتصرف عند حدوث مشكلة، وكيف يتواصل مع فريق العمل، وكيف يستجيب للنقد؟، وكل هذه المواقف تحتاج الى ذكاء عاطفي وليس فقط الى معرفة اكاديمية، لذلك نجد ان كثير من فرص العمل تذهب لمن يمتلك مهارات شخصية عالية حتى لو لم يكن الافضل اكاديميا.
مكونات الذكاء العاطفي اذن تبدأ من الوعي الذاتي، اي ان يعرف الطالب نقاط قوته وضعفه ويكون قادرا على فهم مشاعره دون انكار او مبالغة، ثم تأتي مهارة ادارة الانفعالات التي تعني القدرة على التحكم بالغضب والقلق والتوتر وعدم اتخاذ قرارات متسرعة تحت تأثير العاطفة، ثم مهارة التعاطف التي تساعد الطالب على فهم مشاعر الاخرين والتفاعل معهم بطريقة انسانية، ثم الدافعية التي تدفعه للاستمرار رغم الصعوبات، واخيرا مهارات التواصل الاجتماعي التي تمثل جسر العلاقة مع الاخرين داخل الجامعة وخارجها.
عند الحديث عن طلاب الجامعات الاردنية بشكل خاص يمكن ملاحظة تفاوت واضح في مستوى هذه المهارات، فهناك طلبة يمتلكون قدرة علمية ممتازة لكنهم يعانون في التواصل او العمل ضمن فريق او التعبير عن انفسهم، وهناك طلبة اخرون قد لا يكونون الاكفأ اكاديميا لكنهم ينجحون في الحياة العملية بسبب قدرتهم العالية على فهم الناس والتعامل مع المواقف المختلفة بمرونة وهدوء. ان اهمية الذكاء العاطفي تظهر بشكل واضح في القابلية للتوظيف، فصاحب العمل اليوم يبحث عن شخص يمكن الاعتماد عليه داخل الفريق، قادر على حل المشاكل دون تصعيد، يتقبل النقد ويتعامل مع التغيير، وهذه الصفات ترتبط مباشرة بالذكاء العاطفي اكثر من ارتباطها بالمعدل الجامعي، لذلك يمكن القول ان الذكاء العاطفي اصبح بوابة غير معلنة للدخول الى سوق العمل والاستمرار فيه.
واحدة من اهم البيئات التي يظهر فيها تأثير الذكاء العاطفي هي العمل الجماعي، سواء داخل الجامعة في المشاريع المشتركة او لاحقا في بيئة العمل، حيث يحتاج الطالب الى الاستماع لوجهات نظر مختلفة واحترامها والتعامل مع الاختلاف بدون صراع، وهذه المهارات لا تدرس نظريا بل تكتسب بالممارسة والتجربة والتفاعل اليومي مع الاخرين، كذلك يلعب الذكاء العاطفي دورا كبيرا في ادارة الضغوط النفسية التي يواجهها الطالب الجامعي، مثل ضغط الامتحانات او الخوف من المستقبل او التوقعات العائلية، فالطالب الذي يمتلك وعيا عاطفيا يستطيع ان ينظم مشاعره ويحول التوتر الى دافع بدل ان يتحول الى عائق، بينما الطالب الذي يفتقر الى هذه المهارة قد ينهار امام ضغوط بسيطة نسبيا.
ان دور الجامعات في تنمية الذكاء العاطفي لا يقل اهمية عن دورها في التعليم الاكاديمي، فالمفترض ان لا تكون الجامعة مجرد مكان لتلقين المعلومات بل بيئة لبناء الشخصية، من خلال الانشطة اللامنهجية والعمل التطوعي والمشاريع الجماعية والتدريب العملي، وكل هذه الادوات تساعد الطالب على تطوير مهاراته الاجتماعية والانفعالية بشكل طبيعي.
ان عضو هيئة التدريس يلعب كذلك دورا مهما في هذا الجانب، فطريقة التعامل داخل القاعة الدراسية يمكن ان تعزز او تضعف الذكاء العاطفي، فعندما يتم تشجيع الحوار واحترام الرأي المختلف والتعامل مع الخطأ كفرصة للتعلم وليس كفشل، فإن ذلك يخلق بيئة تعليمية صحية تساعد الطالب على النمو النفسي والانفعالي وليس فقط الاكاديمي الانشطة الطلابية ايضا تمثل مساحة مهمة جدا لاكتساب هذه المهارات، فهي المكان الذي يختبر فيه الطالب قدرته على القيادة والعمل ضمن فريق وتحمل المسؤولية والتعامل مع المواقف غير المتوقعة، وهي مهارات لا يمكن اكتسابها من الكتب بل من التجربة المباشرة، ومن المهم التأكيد على ان الذكاء العاطفي ليس صفة ثابتة يولد بها الانسان بل مهارة يمكن تطويرها مع الوقت من خلال الوعي والممارسة والتجربة، فكل طالب يمكنه ان يتحسن في طريقة تفكيره وتعامله مع مشاعره ومع الاخرين اذا قرر ان يراقب نفسه ويتعلم من تجاربه ويطور من ردود افعاله.
اصبح الذكاء العاطفي في سوق العمل الحديث جزءا اساسيا من معايير النجاح والاستمرار، فالوظيفة لا تعتمد فقط على التعيين بل على القدرة على البقاء والتطور داخل بيئة العمل، وهذه القدرة تعتمد بشكل كبير على مهارات مثل التواصل والمرونة والتعامل مع الضغوط وحل النزاعات، كما ان الذكاء العاطفي يساهم في بناء مسار مهني اكثر استقرارا، لان الشخص الذي يفهم نفسه ويتعامل مع الاخرين بوعي اكبر يكون اقل عرضة للصدامات المهنية واكثر قدرة على التكيف مع التغيرات السريعة في بيئة العمل، وهذا ما يجعل الذكاء العاطفي استثمارا طويل الامد في شخصية الطالب ومستقبله.
يمكن القول ان طلاب الجامعات الاردنية اليوم بحاجة الى اعادة تعريف مفهوم النجاح، بحيث لا يقتصر على التفوق الاكاديمي فقط، بل يشمل بناء شخصية متوازنة تمتلك معرفة علمية وقدرة انسانية على التعامل مع الحياة، لان المستقبل لا يحتاج فقط الى العقول الذكية بل الى العقول الواعية عاطفيا والقادرة على التفاعل مع عالم معقد ومتغير باستمرار.
[email protected]