facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إقتصاد الإنتباه وصناعة السياسات


البروفيسور يوسف العساف
06-06-2026 06:10 PM

حين تصبح أعين الناس ميدانًا جديدًا لصناعة السياسات، لا يعود الانتباه الإنساني مجرد حالة ذهنية عابرة، بل يتحول إلى مورد نادر تتنافس عليه المنصات، والشركات، والمؤسسات، والحكومات. ومن هنا يبرز «اقتصاد الانتباه»، حيث لا تُقاس قوة الفكرة أو القرار بعمقهما فقط، بل بقدرتهما على جذب الانتباه، والانتشار، والبقاء في وعي الجمهور أطول فترة ممكنة.

في هذا السياق الجديد، تواجه السياسات العامة تحدياً غير مسبوق: كيف تُصاغ قرارات طويلة المدى في بيئة تحكمها دورات اهتمام قصيرة، وسريعة التقلب، ومشحونة بالعاطفة والصورة أكثر من التحليل؟

اقتصاد الانتباه أعاد تشكيل المجال العام. فالقضايا لم تعد تتصدر النقاش العام بسبب أهميتها الموضوعية فحسب، بل بسبب قدرتها على إثارة التفاعل الرقمي. منشور واحد، أو مقطع قصير، قد يرفع قضية إلى قمة الاهتمام الشعبي، بينما تتراجع ملفات استراتيجية بالغة الأهمية إلى الهامش لغياب الزخم الإعلامي. هذا الواقع يضع صانعي السياسات أمام ضغط متزايد للاستجابة السريعة، أحياناً على حساب التريث والتخطيط العميق.

أما على مستوى العمل الحكومي، فقد تغيّر الدور التقليدي للمؤسسات العامة. لم تعد الحكومة جهة تُصدر القرارات وتكتفي بنشرها، بل أصبحت فاعلاً تواصلياً يعمل في فضاء مزدحم بالرسائل المتنافسة. اللغة الرسمية الجافة لم تعد قادرة على اختراق الضجيج الرقمي، ما دفع العديد من الحكومات إلى تبني خطاب أكثر بساطة ووضوحاً، دون التفريط بالمهنية أو المصداقية.

في الإمارات العربية المتحدة، يتخذ التعامل مع اقتصاد الانتباه بعداً مختلفاً. فالدولة التي راهنت مبكراً على التحول الرقمي، أدركت أن ثقة الجمهور هي "العملة الأهم" في هذا الاقتصاد. لذلك، يلاحظ المتابع أن الخطاب الحكومي في الإمارات يميل إلى الإيجاز، وربط السياسات بحياة الناس اليومية، وتقديم المعلومة في وقتها، قبل أن تملأ الشائعات أو التفسيرات غير الدقيقة فراغ الانتباه العام.

كما أن العمل الحكومي في الدولة لم يعد منفصلاً عن السردية الوطنية الأشمل. فالقرارات والسياسات غالباً ما تُربط برؤى واستراتيجيات طويلة المدى، ما يساعد على توجيه انتباه المجتمع نحو المسار العام، لا نحو الحدث العابر فقط. هذا الربط بين اليومي والاستراتيجي يخفف من آثار «تشتت الانتباه» الذي تعانيه كثير من المجتمعات الرقمية.

غير أن اقتصاد الانتباه يحمل أيضاً مخاطر حقيقية. فالسعي المفرط لجذب الانتباه قد يدفع بعض الجهات إلى تبسيط مخلّ للقضايا المعقدة، أو إلى تضخيم إنجازات آنية على حساب تقييم الأثر الحقيقي للسياسات. من هنا تبرز أهمية وجود معايير أخلاقية ومؤسسية تحكم كيفية استخدام الانتباه العام، وتمنع تحوّله إلى أداة للضغط اللحظي أو التوجيه العاطفي غير المسؤول.

في المحصلة، لا يمكن للحكومات اليوم تجاهل اقتصاد الانتباه، كما لا يمكنها الاستسلام لمنطقه بالكامل. التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين جذب انتباه المجتمع، والحفاظ على جوهر العمل العام القائم على التخطيط، والاستدامة، والمصلحة العامة. وفي هذا التوازن، تبدو التجربة الإماراتية مثالاً على محاولة واعية "لإدارة الانتباه"، لا ملاحقته، وتحويله من عبء ضاغط إلى أداة داعمة لصناعة سياسات أكثر فهماً وقرباً من الناس.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :