حصاد المقاومة الضوئية: من كتاب "هاني جوهرية - الكاميرا تشرق من القدس"
أُسَيْد الحوتري
06-06-2026 06:23 PM
في صباح بارد من نيسان 1976، كان الضباب يتسلق ببطء مرتفعات عينطورة في جبل لبنان، فيما كان هاني جوهرية يرفع كاميرته نحو الأفق المضطرب. لم يكن يبحث عن صورة جميلة، بل عن حقيقة تُنتزع من بين النار والدخان. وقف على حافة التل كمن يحرس الذاكرة قبل أن تولد، يلاحق بعدسته وجوه المقاتلين وخطواتهم وصمتهم بين انفجارين. كانت الكاميرا على كتفه تبدو أخف من بندقية، لكنها حملت عبئا أثقل: شهادة على زمن مقاوم. فجأة دوّى انفجار قريب، فسقط الجسد الذي حمل العدسة، لكن الصورة لم تسقط معه. في تلك اللحظة خسر الفلسطينيون مصورا، وربحت ذاكرتهم رمزا؛ فقد صمتت يد هاني جوهرية إلى الأبد، فيما واصلت "بندقية الضوء" أداء مهمتها في مواجهة النسيان.
إذا قرأنا سيرة الشهيد هاني جوهرية من منظور المقاومة الثقافية والسلمية، فإن قيمة إنجازه لا تُقاس بعدد الصور والأفلام التي تركها، بل بالأثر الذي أحدثه في الوعي الفلسطيني والعربي والعالمي. فقد كان من أوائل الذين حوّلوا الصورة إلى أداة مقاومة منظمة في مرحلة كانت الرواية الفلسطينية شبه غائبة عن الإعلام الدولي.
توثيق الثورة الفلسطينية بصريا
لم يكن هاني جوهرية مصورا يقف خارج الحدث، بل كان جزءا منه. فمنذ أواخر ستينيات القرن الماضي حمل كاميرته إلى المواقع التي كانت تتشكل فيها ملامح الثورة الفلسطينية، وسعى إلى بناء ذاكرة بصرية تحفظ تفاصيل مرحلة تاريخية كاملة.
وثق حياة الفدائيين في معسكراتهم ومواقعهم الميدانية، وصور التدريبات والاستعدادات القتالية، كما رافق المقاتلين في محطات مفصلية من مسيرة الثورة. وفي الوقت نفسه، لم يغفل الجانب الإنساني، فوثق حياة اللاجئين في المخيمات، وصور الأطفال والنساء والشيوخ، مقدما صورة متكاملة لشعب يعيش تجربة اللجوء والمقاومة معا.
ومن بين الموضوعات التي أولتها عدسته اهتماما خاصا حضور المرأة الفلسطينية في العمل الوطني. فقد التقط صورا لفدائيات فلسطينيات أصبحت لاحقا جزءا من الأرشيف البصري للثورة، وأسهمت في ترسيخ صورة المرأة باعتبارها شريكا فاعلا في النضال الوطني.
لقد سعى جوهرية إلى إنتاج سردية فلسطينية مستقلة تروي الأحداث من داخل التجربة الفلسطينية نفسها كما يراها أهلها، لا من خلال عيون الآخرين. ولذلك أصبحت صوره جزءا من الذاكرة الوطنية الفلسطينية، لا مجرد أعمال فوتوغرافية.
السينما الفلسطينية الثورية
لم تقتصر مساهمة جوهرية على التصوير الفوتوغرافي، بل كان من الرواد الذين أسهموا في تأسيس السينما الفلسطينية الثورية. ففي وقت أدركت فيه الحركة الوطنية الفلسطينية أهمية الصورة المتحركة في مخاطبة العالم، انخرط في تأسيس وحدات التصوير السينمائي التابعة للثورة، والتي تطورت لاحقا إلى مؤسسة السينما الفلسطينية.
كانت السينما بالنسبة إليه جزءا من مشروع وطني يهدف إلى تقديم الرواية الفلسطينية للعالم. ومن خلال مشاركته في تصوير الأفلام والتقارير الوثائقية، ساهم في توثيق حياة اللاجئين والمخيمات ونشاطات الثورة الفلسطينية وتحولاتها السياسية والاجتماعية.
وقد تميزت تلك التجربة بخروج الكاميرا من الاستوديو إلى الميدان. فكانت ترافق المقاتلين وتتنقل بين المخيمات والقرى والجبال، لتسجل حياة الفلسطينيين كما هي. وهكذا أصبحت السينما الفلسطينية أداة توثيق ومقاومة في الوقت نفسه، تحفظ الذاكرة الوطنية وتواجه محاولات تغييب الرواية الفلسطينية.
معركة الكرامة وصناعة صورة جديدة للفلسطيني
تُعد معركة الكرامة عام 1968 من أهم المحطات التي وثقها هاني جوهرية. ولم تكن أهمية هذا التوثيق مرتبطة بالحدث العسكري وحده، بل بما أحدثه من تحول في الصورة الذهنية للفلسطيني بعد هزيمة 1967.
في ذلك الوقت كانت وسائل الإعلام تقدم الفلسطيني غالبا بوصفه لاجئا أو ضحية، بينما جاءت صور جوهرية لتُظهر وجها آخر: الفلسطيني الذي يقاوم وينظم صفوفه ويؤمن بقدرته على الفعل والتأثير.
سعى جوهرية إلى توثيق آثار المعركة ونتائجها رغم المخاطر الأمنية وصعوبة الحركة في منطقة ما زالت تعيش أجواء المواجهة. وكانت عدسته تبحث عن التفاصيل التي تعجز البيانات السياسية عن نقلها؛ وجوه المقاتلين، آثار الدمار، وحالة الثقة الجديدة التي بدأت تتشكل في الوعي الفلسطيني والعربي.
لقد أسهمت صور الكرامة في ترسيخ صورة الفدائي الفلسطيني بوصفه رمزا للمبادرة والصمود، وأصبحت جزءا من الخطاب البصري الذي رافق صعود الحركة الوطنية الفلسطينية. وهكذا تحولت الكاميرا من أداة تسجيل إلى أداة لصناعة الذاكرة الجماعية.
الأفلام بوصفها وثائق تاريخية
لم ينظر هاني جوهرية إلى الفيلم باعتباره عملا فنيا فقط، بل باعتباره وثيقة تاريخية تحفظ ما قد يضيع من ذاكرة الشعوب. ولهذا جاءت مشاركته في إنتاج وتصوير أفلام فلسطينية مبكرة، ومنها "لا للحل السلمي"، جزءا من مشروع يهدف إلى تسجيل وقائع المرحلة كما عاشها الفلسطينيون أنفسهم.
كانت تلك الأفلام توثق حياة اللاجئين وأنشطة الثورة والتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها الساحة الفلسطينية. ومع مرور الزمن تحولت من أعمال سينمائية إلى مصادر تاريخية يعتمد عليها الباحثون والمؤرخون لفهم تلك المرحلة. وتكمن قيمتها في أنها صُورت من داخل الحدث لا من خارجه. فالكاميرا لم تكن تراقب الفلسطينيين من مسافة آمنة، بل من مسافة صفر حيث كانت تعيش ظروفهم نفسها وتشاركهم تفاصيل حياتهم اليومية. ولهذا اكتسبت هذه الأعمال صدقية تاريخية استثنائية.
حارس الذاكرة الفلسطينية
في دراسات الذاكرة الجماعية، لا تُعد الصورة مجرد تسجيل للحظة عابرة، بل وسيلة لحماية التاريخ من النسيان والتشويه. ومن هذا المنظور تجاوز دور هاني جوهرية حدود التصوير ليصبح أحد حراس الذاكرة الوطنية الفلسطينية. لقد حفظت كاميرته وجوها وأماكن وأحداثا كان يمكن أن تضيع من السجل التاريخي. وبفضل عدسته بقيت صور المقاتلين واللاجئين والمخيمات والقرى شاهدة على مرحلة كاملة من التاريخ الفلسطيني.
كما اكتسب هذا الدور أهمية مضاعفة في ظل ما تعرض له التاريخ الفلسطيني من محاولات الطمس والتغييب. ففي مثل هذه الظروف تتحول الصورة إلى وثيقة مقاومة بحد ذاتها، لأنها تقدم دليلا ماديا على وجود الأشخاص والأماكن والأحداث.
ولم يحفظ جوهرية لحظات البطولة فقط، بل وثق أيضا تفاصيل الحياة اليومية التي تشكل النسيج الحقيقي لأي شعب. ولذلك لا يُنظر إليه بوصفه مصورا فحسب، بل بوصفه حارسا للذاكرة الفلسطينية.
الكاميرا جبهة نضال
أدرك هاني جوهرية أن الثورة تحتاج إلى من يوثقها بقدر حاجتها إلى من يقاتل في صفوفها. ولذلك لم يكتف بالتصوير، بل ساهم في تدريب كوادر شابة على التصوير الفوتوغرافي والسينمائي، ونقل خبراته إلى جيل جديد من المصورين.
وكان يرى أن الكاميرا ليست أداة تقنية فحسب، بل وسيلة نضالية قادرة على أداء دور وطني مباشر. وهكذا أصبحت العدسة جبهة من جبهات العمل الوطني، وأصبح المصور شريكا في صناعة الحدث ونقله إلى العالم.
وقد أسهم هذا الجهد في ترسيخ ثقافة بصرية جديدة داخل الحركة الوطنية الفلسطينية، وضمان استمرار مشروع التوثيق السينمائي والإعلامي حتى بعد استشهاده.
من بندقية الضوء إلى هواتف غزة
تكمن أهمية هاني جوهرية في أنه أدرك مبكرا أن الصراع لا يُحسم في الميدان وحده، بل في الرواية أيضا. ولذلك حمل كاميرته إلى الأماكن التي تصنع التاريخ، وسعى إلى تسجيل الأحداث قبل أن يطويها النسيان. فتحولت عدسته إلى "بندقية ضوء" تطلق الصور، والشهادات، والأدلة لا الرصاص.
ولو كان جوهرية حيا اليوم لرأى كيف بلغت فكرته ذروتها التاريخية. ففي زمنه كانت الكاميرا حكرا على عدد محدود من المصورين، أما اليوم فقد أصبحت في يد ملايين البشر عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي.
وقد كشفت أحداث غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 عن التحول الهائل في قوة الصورة؛ فبفضل الصور الثابتة ومقاطع الفيديو والبث المباشر، استطاع سكان غزة نقل تفاصيل حياتهم ومعاناتهم اليومية إلى الجماهير الفلسطينية والعربية والعالمية بصورة غير مسبوقة. وأصبحت الهواتف الذكية بمثابة شبكة واسعة من "بنادق الضوء" التي توثق الحدث لحظة وقوعه وتنقله إلى العالم في بث حي ومباشر أو بعد فترة قصيرة.
لقد ساهم هذا التدفق المستمر للصور في توسيع النقاش العالمي حول القضية الفلسطينية، وأثبت أن الصورة أصبحت لاعبا رئيسيا في تشكيل الرأي العام العالمي. وهكذا تبدو تجربة هاني جوهرية اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ فهو من أوائل الذين فهموا أن الصورة ليست مجرد وسيلة للتوثيق، بل قوة قادرة على حماية الذاكرة وصناعة الرواية والتأثير في الوعي الإنساني لصالح القضية الفلسطينية.
ومن هنا تكمن القيمة الحقيقية لكتاب "هاني جوهرية: الكاميرا تشرق من القدس". فهو لا يروي سيرة مصور فلسطيني فحسب، بل يوثق تجربة رائد أدرك مبكرا أن الكاميرا يمكن أن تصبح فاعلا تاريخيا يوازي القوة العسكرية.
هكذا، لم تكن كاميرا هاني جوهرية مجرد أداة لتسجيل الأحداث، بل مشروعا وطنيا متكاملا لحماية الذاكرة الفلسطينية وبناء روايتها البصرية. فمن خلالها وثق حياة الفدائيين واللاجئين والمخيمات والمرأة الفلسطينية، وسجل محطات مفصلية في تاريخ الثورة، وفي مقدمتها معركة الكرامة، كما أسهم في تأسيس السينما الفلسطينية الثورية وإنتاج أفلام تحولت مع الزمن إلى وثائق تاريخية يعتمد عليها الباحثون والمؤرخون. ولم يكتف بالتوثيق، بل شارك في إعداد وتدريب جيل جديد من المصورين الذين حملوا رسالته من بعده، مؤمنا بأن الكاميرا جبهة نضال لا تقل أهمية عن أي جبهة أخرى. وهكذا حفظت عدسته وجوها وأماكن وأحداثا كان يمكن أن تضيع من السجل التاريخي، ورسخت قناعته بأن الصورة قادرة على مقاومة النسيان والتزييف، وأن "بندقية الضوء" تستطيع أن تؤثر في الوعي العام وتصوغ الذاكرة الجماعية بقدر ما تفعل البنادق في ساحات القتال.
يذكر أن سليم صبحي النجار من الشخصيات الإعلامية الأردنية والفلسطينية البارزة، وتعود أصوله إلى قرية صبارين التابعة لقضاء حيفا، إحدى القرى الفلسطينية التاريخية الواقعة على الساحل الفلسطيني. وُلد في دولة الكويت بتاريخ 2 كانون الأول/ديسمبر 1961.
تلقى النجار تعليمه في الكويت، حيث درس المرحلتين الابتدائية والإعدادية في مدارس منظمة التحرير الفلسطينية، ثم أكمل المرحلة الثانوية في مدارس وزارة التربية الكويتية. وهو عضو في رابطة الكتّاب الأردنيين، وعضو في جمعية النقاد الأردنيين.
بدأ مسيرته الإعلامية بالكتابة في الصحف الكويتية، حيث نشر العديد من المقالات الصحفية. وبعد انتقاله إلى الأردن، انخرط في العمل الصحفي المهني، فعمل في صحيفة "المستقبل" الأسبوعية، ثم في عدد من الصحف الأسبوعية واليومية، من بينها صحيفة "الرأي". كما عمل مراسلا لعدد من الصحف خارج الأردن خلال فترات متفرقة، وكانت صحيفة "الغد" آخر صحيفة يومية تعاون معها.
إلى جانب نشاطه الصحفي، أسهم النجار في الكتابة النقدية والثقافية، فنشر دراسات ومقالات في مجلتي "نزوى" و"أفكار"، كما كتب في مجلة "الثقافة" التونسية الصادرة عن وزارة الثقافة التونسية، ونشرت له أيضا مقالات في جريدة "الأهرام" المصرية وصحيفة "الحياة الجديدة" الفلسطينية الصادرة في رام الله.
وعلى صعيد التأليف، أصدر عددا من الكتب التي توثق حوارات مع شخصيات سياسية ووطنية وثقافية بارزة. ومن أبرز مؤلفاته كتاب "الوطن الممنوع"، الذي يتضمن حوارا مع القائد الوطني الفلسطيني الراحل فاروق القدومي (أبو اللطف)، وكتاب "حواري مع المناضل الراحل بهجت أبو غربية".
كما أنجز عددا من الحوارات المشتركة بالتعاون مع مجموعة من الإعلاميين، ومن بينها حوارات أجريت من فلسطين مع شخصيات وطنية وثقافية. ومن أعماله كذلك كتاب "سنين عمّان"، وهو حوار مطول مع الشاعر العراقي حميد سعيد يتناول سيرته الذاتية وتجربته الإبداعية، إضافة إلى هذا العمل التوثيقي الذي تناول سيرة المصور والمناضل الفلسطيني الشهيد هاني جوهرية.