facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عندما يصبح الخلل أسلوب حياة كيف يتآكل المجتمع من الداخل؟


امل خضر
06-06-2026 06:34 PM

ليست المشكلة الحقيقية في الأردن أن جريمة وقعت هنا أو قضية فساد كُشفت هناك أو شحنة مخدرات أُحبطت على الحدود. فهذه أحداث، مهما كانت خطورتها، تبقى أعراضًا لمرض أعمق. المشكلة الحقيقية تكمن في السؤال الذي يخشاه الجميع ماذا لو لم تعد هذه الظواهر استثناءً؟ ماذا لو بدأت تتحول تدريجيًا إلى جزء من المشهد اليومي الذي اعتاد عليه الناس حتى فقدوا قدرتهم على الصدمة؟

المجتمعات لا تنهار بين ليلة وضحاها. الانهيار الحقيقي يبدأ عندما تتآكل المناعة الأخلاقية والاجتماعية بصمت، وعندما تتراجع قيمة العمل أمام ثقافة المكاسب السريعة، وتضعف قيمة العلم أمام شهرة فارغة، ويتراجع احترام القانون أمام ثقافة التحايل عليه، ويصبح السؤال عند كثيرين كيف أصل؟ لا كيف أستحق؟

في السنوات الأخيرة لم يكن أخطر ما واجهه المجتمع الأردني ارتفاع بعض الجرائم أو انتشار المخدرات أو الحديث المتكرر عن الفساد، بل ظهور حالة من التعايش النفسي مع هذه الظواهر. فالمواطن الذي كان يغضب بالأمس من خبر جريمة مروعة أصبح يقرأ الخبر اليوم ثم ينتقل إلى خبر آخر. والشاب الذي كان يعتبر المخدرات خطرًا يهدد المجتمع أصبح يسمع عنها يوميًا حتى فقدت وقعها في الوعي العام. وعندما تفقد المجتمعات قدرتها على الغضب تجاه الخلل، تبدأ أخطر مراحل التراجع.

الجريمة في جوهرها ليست فعلًا فرديًا معزولًا، بل مرآة تعكس ما يجري في العمق. فعندما يشعر الإنسان أن الفرص تضيق، وأن الأحلام تصبح أكثر بعدًا من قدرته على الوصول إليها، وأن الطريق إلى النجاح يزداد صعوبة بينما تزداد الطرق المختصرة جاذبية، تبدأ بعض النفوس الضعيفة بالبحث عن مسارات بديلة. ليست الجريمة دائمًا نتيجة الفقر، وإلا لكان كل فقير مجرمًا، لكنها كثيرًا ما تكون نتيجة شعور متراكم بانسداد الأفق وفقدان العدالة وتراجع الثقة بالمستقبل.

أما المخدرات، فليست مجرد تجارة سوداء كما يظن البعض، بل صناعة تستثمر في الفراغ واليأس والضياع. تاجر المخدرات لا يبيع مادة فقط، بل يبيع وهمًا مؤقتًا بالهروب من واقع ثقيل. وكلما اتسعت مساحة الفراغ في حياة الشباب، ازدهرت الأسواق التي تبيع لهم الوهم بأشكاله المختلفة. ولهذا فإن أخطر ما تواجهه الدولة ليس المهرب الذي يحمل السموم، بل البيئة التي تجعل بعض الشباب مستعدين لتجربتها أصلًا.

لكن الملف الأكثر حساسية يبقى الفساد، لأن أثره لا يتوقف عند الأموال المهدورة أو القرارات الخاطئة. الفساد الحقيقي يبدأ عندما يشعر المواطن أن المعايير لم تعد ثابتة. عندما يرى أن بعض الأبواب تُفتح لأشخاص وتُغلق في وجه آخرين رغم تساوي الكفاءة. عندما يقتنع الناس أن العلاقات أهم من الجدارة، وأن النفوذ أقوى من الاستحقاق. هنا لا يخسر المواطن فرصة فقط، بل يخسر ثقته بفكرة العدالة نفسها، وعندما تموت العدالة في الوعي العام يبدأ أخطر أنواع الفساد وأكثرها تدميرًا.

إلا أن المشكلة الأعمق من كل ذلك تكمن في التحولات الاجتماعية التي لا تحظى بالاهتمام الكافي. فالمجتمع الأردني كان عبر عقود طويلة يمتلك شبكة حماية غير مكتوبة تقوم على الأسرة الممتدة والعلاقات الاجتماعية والقيم المشتركة والرقابة المجتمعية الطبيعية. اليوم تتراجع هذه الشبكة تدريجيًا. لم تعد الأسرة تجلس كما كانت، ولم تعد الحوارات اليومية قادرة على منافسة الشاشات التي احتلت العقول والبيوت. يعيش أفراد الأسرة الواحدة تحت سقف واحد، لكن كل واحد منهم يقيم في عالم مختلف. الأب في عالم، والأم في عالم، والأبناء في عوالم أخرى يصنعها الهاتف أكثر مما يصنعها الواقع.

وهنا تظهر أزمة أخطر من الفقر والبطالة والفساد، وهي أزمة المعنى. فالكثير من الشباب اليوم لا يعاني فقط من نقص المال، بل من نقص الشعور بالهدف. وحين يفقد الإنسان إحساسه بالغاية يصبح أكثر عرضة لأي فكرة عابرة أو سلوك مدمر أو خطاب متطرف أو إدمان أو انحراف. فالمجتمعات لا تعيش بالخبز وحده، بل تعيش أيضًا بالأمل.

ومن أخطر التحولات التي نادرًا ما يتم الحديث عنها أن بعض المجتمعات بدأت تستبدل ثقافة الإنجاز بثقافة الظهور. لم يعد السؤال ماذا قدمت؟ بل أصبح كم شخصًا شاهدك؟ ولم يعد النجاح يقاس بحجم الأثر، بل بحجم الضجيج. وهنا تكمن كارثة صامتة لأن المجتمع الذي يمنح الشهرة قيمة أعلى من الكفاءة يخلق أجيالًا تبحث عن الأضواء أكثر مما تبحث عن البناء، وعن الانتشار أكثر مما تبحث عن الإنجاز.

الاقتصاد بدوره ليس بعيدًا عن هذه المعادلة. فلا يمكن بناء اقتصاد قوي داخل مجتمع تتراجع فيه الثقة وتضعف فيه القيم الإنتاجية.

المستثمر لا يقرأ الأرقام فقط، بل يقرأ المناخ العام. يقرأ الاستقرار الاجتماعي، والثقة بالمؤسسات، ومستوى سيادة القانون، وشعور الناس بالعدالة. وكلما ارتفعت معدلات الجريمة أو المخدرات أو الفساد أو الاحتقان الاجتماعي، ارتفعت معها الكلفة الخفية التي يدفعها الاقتصاد دون أن تظهر مباشرة في التقارير والإحصاءات.

ورغم ذلك كله، فإن الأردن ما زال يمتلك نقاط قوة حقيقية، أهمها وعي الدولة، وصلابة مؤسساتها، وتمسك غالبية المجتمع بقيمه الوطنية، لكن الحفاظ على هذه المزايا يتطلب شجاعة أكبر في الاعتراف بالمشكلات قبل تفاقمها. فالمجاملة لا تبني وطنًا، وإنكار الخلل لا يعالجه، وتجميل الواقع لا يصنع مستقبلًا أفضل.

الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن أخطر تهديد لأي دولة ليس عدوًا على حدودها، بل الخلل الذي يتسلل إلى داخلها دون مقاومة. فالدولة لا تخسر عندما تواجه مشكلة، بل تخسر عندما تتوقف عن الاعتراف بها. ولا ينهار المجتمع عندما تظهر فيه الظواهر السلبية، بل عندما يعتبرها قدرًا طبيعيًا لا يمكن تغييره.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية في الأردن ليست فقط ضد الجريمة أو المخدرات أو الفساد، بل ضد الاعتياد عليها. ضد التطبيع مع الخلل. ضد الاستسلام لفكرة أن الأمور ستبقى كما هي. لأن الأوطان لا يحميها الخوف من السقوط، بل تحميها الشجاعة في مواجهة أسباب السقوط قبل فوات الأوان.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :