بين المظلومية الفلسطينية والتمدد الإيراني
د. عبدالحفيظ العجلوني
07-06-2026 07:42 AM
* كيف صنعت فلسطين نفوذ طهران في الوجدان العربي؟
منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، أدرك قادة النظام الجديد أن النفوذ لا يُبنى بالقوة العسكرية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى قضية كبرى تخاطب وجدان الشعوب وتمنح المشروع السياسي شرعية تتجاوز الحدود الوطنية. ولم تكن هناك قضية أكثر حضوراً في الضمير العربي والإسلامي من القضية الفلسطينية، بما تمثله من رمز للظلم التاريخي والاحتلال ومعاناة شعب ما زال يناضل من أجل نيل حقوقه الوطنية المشروعة.
لذلك، جعلت الجمهورية الإسلامية من فلسطين محوراً أساسياً في خطابها السياسي والإعلامي. فحوّلت السفارة الإسرائيلية في طهران إلى سفارة لفلسطين، ورفعت العلم الفلسطيني مكان العلم الإسرائيلي، وأسست فيلق القدس، كما أعلن الإمام الخميني في العام نفسه “يوم القدس العالمي” الذي يُحيى في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان، في خطوة هدفت إلى إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي الإسلامي وربطها بهوية الثورة الإيرانية الناشئة. ورفعت طهران شعارات تحرير الأقصى ودعم المقاومة، وقدمت نفسها بوصفها المدافع الأبرز عن حقوق الفلسطينيين في وقت كانت فيه قطاعات واسعة من الشعوب العربية تشعر بالإحباط من تراجع الدور العربي وعجز المجتمع الدولي عن فرض حل عادل للقضية الفلسطينية. وبهذا نجحت في ربط صورتها السياسية بقضية تحظى بإجماع شعبي واسع، واكتسبت رصيداً معنوياً كبيراً لدى قطاعات واسعة من العرب والمسلمين.
غير أن نجاح إيران في كسب التعاطف العربي لم يكن نتاج براعة دعائية فحسب، بل كان أيضاً نتيجة فراغ سياسي وأخلاقي نشأ عن استمرار المظالم دون حلول حقيقية. فعندما يشعر الناس بأن قضية عادلة تُترك لمصيرها، وأن القوى الكبرى تنحاز إلى الطرف الأقوى، يصبحون أكثر استعداداً للالتفاف حول أي جهة تعلن وقوفها إلى جانب المظلومين، حتى لو كانت لتلك الجهة أهدافها ومصالحها الخاصة.
لقد ساهم الانحياز الغربي الواضح لإسرائيل، والعجز الدولي المزمن عن إنصاف الشعب الفلسطيني، في خلق شعور عميق بالمظلومية لدى الجماهير العربية. ولم يكن هذا الشعور وهماً أو صناعة إعلامية، بل استند إلى عقود طويلة من الاحتلال والاستيطان والحروب والتهجير والمعاناة الإنسانية. وفي ظل هذا الواقع، وجدت إيران فرصة تاريخية لتقديم نفسها باعتبارها القوة الأكثر حضوراً في خطاب المواجهة مع إسرائيل ودعم المقاومة الفلسطينية.
وجاء انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 ليمنح هذا الخطاب زخماً استثنائياً. فقد اعتبر كثير من العرب ذلك الحدث أول تراجع إسرائيلي واضح أمام مقاومة عربية منذ عقود، ونُسب الفضل فيه إلى حزب الله المدعوم من إيران. وساهمت التغطية الإعلامية الواسعة لذلك الإنجاز في بناء صورة بطولية للحزب، وأحاطت أمينه العام حسن نصر الله بهالة من الإعجاب والرمزية لدى ملايين العرب. ولم يعد حزب الله بالنسبة لكثيرين مجرد تنظيم لبناني، بل تحول إلى نموذج للمقاومة والصمود، وهو ما انعكس إيجاباً على صورة إيران التي قُدمت باعتبارها الداعم الرئيسي لهذا الإنجاز.
كما تعززت هذه الصورة مع الدعم المالي والعسكري الذي قدمته إيران لحركات المقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي. ورغم احتفاظ هذه الحركات بهوامش من الاستقلالية السياسية والتنظيمية، فإن الشارع العربي رأى في ذلك الدعم دليلاً على أن طهران لا تكتفي بالشعارات بل تترجم مواقفها إلى أفعال، مما رسخ القناعة لدى كثيرين بأن إيران تمثل سنداً حقيقياً للفلسطينيين في مواجهة الاحتلال.
إلا أن هذا المشهد لم يكن محل إجماع. فقد رأى منتقدو السياسة الإيرانية أن دعم طهران للقضية الفلسطينية لم يكن منفصلاً عن حسابات النفوذ الإقليمي وبناء الشرعية الشعبية في العالمين العربي والإسلامي. وظهرت آراء من شخصيات فلسطينية ومراقبين للشأن الإقليمي مفادها أن إيران استفادت من تبني القضية الفلسطينية لتحسين صورتها وكسب تعاطف الشارع العربي، وأن هذا البعد السياسي لا يمكن فصله عن دوافع دعمها لفصائل المقاومة.
ومع مرور الوقت بدأت تساؤلات أعمق تطرح نفسها: هل كانت فلسطين هدفاً بحد ذاتها في السياسة الإيرانية، أم أنها كانت أيضاً وسيلة لبناء مشروع نفوذ إقليمي أوسع؟ فقد شهدت العقود اللاحقة، ولا سيما بعد غزو العراق عام 2003، توسع النفوذ الإيراني في عدد من الدول العربية عبر تحالفات وقوى سياسية وعسكرية في العراق ولبنان وسورية واليمن، وهو ما أفرز استقطابات حادة وصراعات معقدة أعادت تشكيل صورة إيران في الوعي العربي من جديد.
وجاءت الثورة السورية عام 2011 لتشكل نقطة تحول مفصلية في نظرة شريحة واسعة من العرب إلى إيران. فبينما رأى كثيرون في الحراك السوري ثورة شعبية ضد نظام حكم استمر لعقود طويلة واتُّهم بالقمع والاستبداد، وقفت إيران بقوة إلى جانب النظام السوري وقدمت له مختلف أشكال الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي. وهنا بدأت الصورة التي بنتها طهران على مدى عقود تتعرض لاهتزاز كبير.
ففي نظر منتقديها، بدا الموقف الإيراني متناقضاً مع الخطاب الذي رفع شعار الدفاع عن المستضعفين ونصرة الشعوب المظلومة. وتساءل كثيرون: كيف يمكن لمن يتبنى قضية فلسطين باعتبارها قضية عدل وحرية أن يقف في مواجهة مطالب شعب عربي يسعى إلى الحرية والكرامة؟ ومنذ ذلك الحين أخذت تتسع الفجوة بين الخطاب الإيراني وصورته لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، وبدأت صورة “المقاومة” تختلط في أذهان كثيرين باعتبارات النفوذ والتحالفات والمصالح الإقليمية.
ثم جاءت الحرب المدمرة على قطاع غزة بعد أحداث السابع من أكتوبر لتضيف بعداً جديداً لهذا الجدل. فبينما تعرض القطاع لواحدة من أقسى الحروب في تاريخه الحديث، كان بعض أنصار إيران وقطاع من الرأي العام العربي يتوقعون أن يترجم خطابها الطويل بشأن فلسطين إلى تدخل مباشر يغير موازين الصراع. غير أن إيران اكتفت بالدعم السياسي والإعلامي، وبأشكال مختلفة من الإسناد غير المباشر عبر حلفائها في المنطقة، دون الانخراط في مواجهة شاملة ومفتوحة مع إسرائيل.
وقد رأى منتقدو السياسة الإيرانية في هذا الموقف دليلاً إضافياً على أن حسابات الدولة ومصالحها الاستراتيجية وأمنها القومي تتقدم في النهاية على الشعارات الأيديولوجية، وأن طهران تتعامل مع القضية الفلسطينية ضمن حدود لا تهدد مصالحها العليا ولا تجرها إلى مواجهة كبرى لا ترغب بها.
ومع ذلك، فإن اختزال ظاهرة التعاطف العربي مع إيران في فكرة “الخداع” وحدها لا يقدم تفسيراً كاملاً للواقع. فالحقيقة أن هذا التعاطف كان نتاج تفاعل عوامل عديدة: المظلومية الفلسطينية الحقيقية، والانحياز الدولي لإسرائيل، والإحباط من الأداء العربي الرسمي، والإعجاب بتجارب المقاومة التي حققت إنجازات ميدانية، إضافة إلى النجاح الإيراني في استثمار كل تلك العناصر وتوظيفها سياسياً وإعلامياً.
والدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه التجربة هو أن المظالم المزمنة تخلق فراغاً سياسياً وأخلاقياً خطيراً. وعندما تعجز الأمة عن معالجة قضاياها العادلة بنفسها، تتقدم قوى أخرى لملء هذا الفراغ، ليس بالضرورة بدافع الإيثار، بل وفقاً لمصالحها واستراتيجياتها الخاصة. ولذلك فإن أفضل وسيلة لمنع استثمار القضايا العربية من قبل القوى الإقليمية ليست الاكتفاء بانتقاد تلك القوى، بل معالجة أسباب الفراغ نفسه من خلال بناء دول قوية وعادلة، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز المشاركة الشعبية، والدفاع الجاد والفعّال عن الحقوق العربية وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة وتقرير المصير.
فالمظلومية وحدها لا تصنع النفوذ، لكنها تفتح له الأبواب. وكلما طال غياب العدالة، ازداد عدد من يرفعون رايتها، بعضهم بدافع المبدأ، وبعضهم بدافع المصلحة، وكثيراً ما يختلط الأمر بين الاثنين.