حين تصبح المؤسسة مشروع الجميع
م. رياض الخرابشة
07-06-2026 08:15 AM
من أكبر الأخطاء التي تقع فيها المؤسسات أن تتعامل مع الإنجاز بوصفه ملكية خاصة لفئة محدودة من العاملين فيها، أو أن تسمح بتشكل مراكز نفوذ تحتكر المشهد المؤسسي وتحتكر معه رواية النجاح وصورته وأدواته. ففي هذه الحالة قد يتحقق بعض الإنجاز، لكنه يبقى إنجازاً هشاً ومحدود الأثر، لأنه لا يستند إلى قاعدة واسعة من الانتماء والمشاركة.
المؤسسات الناجحة لا تبني قوتها على أفراد استثنائيين بقدر ما تبنيها على قدرة استثنائية في تجميع الطاقات وتوحيد الاتجاهات. فالقيمة الحقيقية للإدارة ليست في أن تكون اللاعب الأقوى داخل المؤسسة، بل في أن تكون القادرة على تعظيم قوى الدفع الداخلية وتحويلها إلى حركة جماعية متماسكة تسير نحو الرؤية والرسالة والأهداف المشتركة.
ولهذا فإن الهم المؤسسي الحقيقي يبدأ من سؤال بسيط: كيف نجعل الجميع شركاء في الإنجاز؟
الجواب لا يكمن فقط في توزيع المهام، بل في توزيع المعنى. فحين يشعر الموظف أن دوره مؤثر، وأن جهده مرئي، وأن نجاح المؤسسة يضيف إلى قيمته الشخصية والمهنية، فإنه لا يؤدي عملاً وظيفياً فحسب، بل يصبح جزءاً من مشروع أكبر يؤمن به ويدافع عنه.
وفي المقابل، فإن احتكار المشهد المؤسسي يمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه المؤسسات. فبعض مراكز النفوذ أو اللاعبين الرئيسيين قد ينظرون إلى توسيع دائرة المشاركة باعتباره تهديداً لمساحات التأثير التي اعتادوا عليها. فينشأ سلوك غير معلن يقوم على حصر المبادرات، أو احتكار المعرفة، أو التحكم بمسارات القرار، أو السعي الدائم للظهور باعتبارهم المصدر الوحيد للإنجاز.
وربما يحقق هذا السلوك مكاسب شخصية مؤقتة، لكنه يضعف المؤسسة على المدى الطويل. لأن المؤسسة التي يعتمد نجاحها على عدد محدود من الأشخاص تصبح أكثر هشاشة وأقل قدرة على الاستمرار والتجدد، بينما المؤسسة التي توزع المعرفة والمسؤولية والفرص تخلق جيلاً جديداً من القادة وتبني مناعة داخلية ضد التراجع والجمود.
إن الإدارة الناضجة لا تبحث عن صناعة الأبطال، بل عن صناعة الفرق. ولا تقيس نجاحها بعدد الملفات التي تمر عبرها، بل بعدد الأشخاص القادرين على الإنجاز من حولها. فكلما اتسعت دائرة المشاركة اتسعت معها دائرة المسؤولية والانتماء والالتزام.
وعندما يشعر العاملون أن الإنجاز يُنسب للجميع، وأن التقدير يصل للجميع، وأن المكاسب المعنوية توزع بعدالة، تتشكل حالة مختلفة داخل المؤسسة. تتحول المبادرات من تكليف إلى قناعة، ويتحول الالتزام من رقابة إلى مسؤولية ذاتية، ويصبح النجاح مطلباً جماعياً لا مهمة إدارية مفروضة من الأعلى.
وهنا تصل المؤسسة إلى واحدة من أرقى مراحل النضج المؤسسي؛ حين تصبح المؤسسة جزءاً من شخصية العاملين فيها، ويصبح نجاحها نجاحاً شخصياً لهم، ويصبح الدفاع عن سمعتها وسلامة قراراتها أمراً تلقائياً لا يحتاج إلى توجيه مستمر.
هذه الحالة لا تُشترى بالأنظمة والتعليمات، ولا تُفرض بالسلطة والصلاحيات، بل تُبنى بالتراكم اليومي للثقة والعدالة والمشاركة والاحترام.
وفي النهاية، فإن أعظم ما يمكن أن تحققه أي إدارة ليس إنجاز مشروع أو تنفيذ مبادرة أو تحقيق مؤشر أداء، بل أن تنجح في تحويل الطاقات المتفرقة إلى إرادة مؤسسية واحدة، وأن تجعل من كل فرد داخل المؤسسة شريكاً حقيقياً في الرحلة والهدف والإنجاز. فالمؤسسات لا تبلغ ذروة قوتها عندما يمتلك بعض أفرادها النفوذ، بل عندما يمتلك جميع أفرادها الإيمان نفسه بالاتجاه الذي تسير نحوه