مستقبل تيار الوسطية والدور المأمول
م. مروان الفاعوري
07-06-2026 01:05 PM
تُعدّ الوسطية من أبرز المفاهيم التي تميزت بها الرسالة الإسلامية، فهي ليست مجرد موقف بين طرفين، ولا حالة من التنازل أو المساومة على المبادئ، وإنما منهج حضاري متكامل يجمع بين الثبات والتجديد، وبين الأصالة والمعاصرة، وبين الحقوق والواجبات، وبين الفرد والمجتمع. وقد جعل الله تعالى هذه الأمة أمة وسطاً فقال: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾.
وقد أولى فضيلة الإمام الراحل قضية الوسطية اهتماماً خاصاً، حتى أصبحت إحدى الركائز الأساسية في مشروعه الفكري والدعوي، كما واصل هذا النهج عدد من العلماء والدعاة وفي مقدمتهم ، إضافة إلى الجهود المؤسسية التي بذلها المنتدى العالمي للوسطية ومنتدى الوسطية في الأردن وعدد من المؤسسات الفكرية والإصلاحية في العالم الإسلامي.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، تبرز الحاجة إلى استشراف مستقبل تيار الوسطية، والوقوف على دوره المأمول في مواجهة التحديات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تعصف بالأمة.
أولاً: الوسطية مشروع حضاري متجدد
يرى الشيخ يوسف القرضاوي أن الوسطية ليست موقفاً تكتيكياً فرضته الظروف، وإنما هي جوهر الإسلام وحقيقته. فالوسطية تعني العدل والتوازن والاستقامة، وترفض الغلو والتطرف كما ترفض التفريط والانحلال.
ومن هنا فإن مستقبل تيار الوسطية يرتبط بقدرته على تقديم الإسلام باعتباره مشروعاً حضارياً شاملاً يعالج قضايا الإنسان المعاصر، ويجيب عن أسئلته الكبرى في السياسة والاقتصاد والثقافة والعلاقات الدولية وحقوق الإنسان.
إن العالم اليوم يشهد أزمة قيم حقيقية، وتراجعاً في المعايير الأخلاقية، واتساعاً في دوائر الصراع والكراهية، مما يجعل خطاب الوسطية أكثر حاجة من أي وقت مضى، لأنه يقدم نموذجاً متوازناً يجمع بين الإيمان والحرية، وبين الهوية والانفتاح، وبين الانتماء الوطني والانتماء الإنساني.
ثانياً: التحديات التي تواجه تيار الوسطية
رغم أهمية هذا التيار، إلا أنه يواجه جملة من التحديات، من أبرزها:
1. تحدي الغلو والتطرف
ما زالت بعض الجماعات المتشددة تحاول احتكار الحديث باسم الإسلام، وتقديم قراءات متصلبة للنصوص الشرعية، الأمر الذي أسهم في تشويه صورة الدين وإثارة المخاوف منه داخل العالم وخارجه.
وقد أكد العديد من اعلام الوسطيه في أكثر من مناسبة أن المعركة الحقيقية ليست بين الإسلام وغيره، وإنما بين الفهم الصحيح والفهم المنحرف للدين.
2. تحدي التفريط والذوبان الثقافي
في المقابل تواجه الأمة تيارات تسعى إلى سلخ المجتمعات عن هويتها الدينية والحضارية، وإلغاء الخصوصية الثقافية للأمة تحت شعارات الحداثة أو العولمة أو التحرر غير المنضبط.
وهنا تبرز الوسطية باعتبارها قادرة على الجمع بين الانفتاح الواعي والحفاظ على الثوابت.
3. تحدي الاستقطاب السياسي
تشهد كثير من المجتمعات العربية والإسلامية حالة من الانقسام الحاد والاستقطاب السياسي والفكري، الأمر الذي يفرض على دعاة الوسطية أن يكونوا جسوراً للحوار والتفاهم لا أطرافاً في الصراع.
4. تحدي ضعف المؤسسات
لا يزال العمل الوسطي في كثير من الأحيان يعتمد على جهود أفراد أكثر من اعتماده على مؤسسات راسخة قادرة على الاستمرار والتأثير، وهو ما يتطلب تطوير البنية المؤسسية للتيار الوسطي وتوسيع حضوره في الجامعات ووسائل الإعلام ومراكز البحث وصناعة القرار.
ثالثاً: مؤشرات مستقبل تيار الوسطية
رغم التحديات، فإن هناك مؤشرات عديدة تبعث على التفاؤل بشأن مستقبل هذا التيار، منها:
- تراجع جاذبية الخطابات المتطرفة بعد التجارب المريرة التي مرت بها المنطقة.
- ازدياد الحاجة العالمية إلى خطاب الاعتدال والتعايش.
- تنامي دور المؤسسات الفكرية والبحثية المهتمة بالحوار وبناء السلام.
- اتساع دائرة الوعي بأهمية الإصلاح التدريجي والحلول التوافقية.
- نجاح العديد من المبادرات الوسطية في بناء جسور التواصل بين المذاهب والأديان والثقافات المختلفة.
ولعل التجربة التي يمثلها المنتدى العالمي للوسطية خلال العقود الماضية تؤكد أن العمل الوسطي قادر على التحول إلى قوة فكرية ومجتمعية مؤثرة عندما يجمع بين وضوح الرؤية وحسن التنظيم واستشراف المستقبل.
رابعاً: الدور المأمول لتيار الوسطية
1. تعزيز الوحدة الوطنية والأمة
ينبغي أن يكون تيار الوسطية حاضناً لكل الجهود الرامية إلى تعزيز التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية ونبذ العصبيات والطائفية والجهوية، والعمل على ترسيخ مفهوم المواطنة الجامعة في إطار الهوية الإسلامية والعربية.
2. صناعة خطاب شبابي معاصر
إن مستقبل أي مشروع فكري مرتبط بقدرته على مخاطبة الشباب بلغتهم وأدواتهم واهتماماتهم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير محتوى إعلامي وثقافي وتربوي يجيب عن أسئلة الأجيال الجديدة ويحصنها من التطرف والإلحاد والانحراف.
3. دعم ثقافة الحوار
تحتاج الأمة اليوم إلى ثقافة الحوار أكثر من حاجتها إلى ثقافة الإقصاء. ولذلك فإن من أهم أدوار تيار الوسطية بناء منصات للحوار بين المكونات الفكرية والسياسية والدينية المختلفة، والبحث عن المشتركات الوطنية والإنسانية.
4. الإسهام في بناء السلام العالمي
لقد أثبتت التجارب أن الوسطية الإسلامية تمتلك رصيداً أخلاقياً وإنسانياً يجعلها شريكاً أساسياً في صناعة السلام العالمي ومواجهة خطابات الكراهية والعنصرية والتطرف الديني والقومي.
5. تقديم نموذج للإصلاح المتدرج
من أهم الدروس التي أكدها الشيخ يوسف القرضاوي وعدد من علماء الوسطية أن الإصلاح الحقيقي لا يقوم على الهدم والفوضى، بل على التدرج والحكمة والموازنة بين المصالح والمفاسد، والعمل على تحقيق الممكن تمهيداً للوصول إلى الأفضل.
ان مستقبل تيار الوسطية يبدو واعداً رغم التحديات، لأن هذا التيار يستند إلى أصول راسخة في القرآن الكريم والسنة النبوية، ويعبر عن حاجة إنسانية متجددة إلى الاعتدال والتوازن والعدل. وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تتبنى منهج الوسطية تكون أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية والتعايش.
ومن هنا فإن الدور المأمول من مؤسسات الوسطية وعلمائها ومفكريها يتمثل في الانتقال من مرحلة الدفاع عن فكرة الوسطية إلى مرحلة قيادة مشروع حضاري متكامل يعالج مشكلات الأمة ويسهم في بناء مستقبل أكثر أمناً وعدلاً وتماسكاً، لتبقى الوسطية كما أرادها الله تعالى: منهجاً للأمة ورسالةً للعالم وشهادةً على الناس.
* الامين العام للمنتدى العالمي للوسطية