facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




أزمة مسؤولية لا جريمة


م. عامر البشير
07-06-2026 01:08 PM

* الجريمة ليست البداية… بل الحلقة الأخيرة

ليس أخطر على المجتمعات من الجريمة ذاتها، بل من اللحظة التي ينحصر فيها النقاش العام في تحديد حدود المسؤوليات والاختصاصات بعد وقوعها، بدلاً من التوقف عند الأسباب والعوامل التي ساهمت في تشكلها. فالجريمة في نهاية المطاف ليست حدثاً منفصلاً عن سياقه الاجتماعي، وليست مجرد رقم يضاف إلى سجلات الادعاء العام أو تقارير الأجهزة الأمنية، بل هي في كثير من الأحيان مرآة تعكس حالة أعمق من الخلل الذي يصيب العلاقة بين الإنسان ومؤسسات الدولة.

وحين نستيقظ كل يوم على خبر جريمة جديدة، وتتكرر مشاهد العنف بصورة تثير القلق وتستنزف الشعور العام بالأمان، فإن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على البحث عن الجاني، بل يجب أن يمتد إلى البحث عن البيئة التي سمحت لهذا الخلل أن يتراكم حتى بلغ هذا الحد. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على ملاحقة المجرمين بعد وقوع الجريمة، بل بقدرتها على بناء منظومة اجتماعية واقتصادية وثقافية تحدّ من أسباب الانحراف قبل أن يتحول إلى فعل إجرامي.

حين تُهمَل الإشارات المبكرة

فالجريمة لا تبدأ عادة عند لحظة ارتكابها، بل حين يُترك طفل بلا رعاية كافية، أو شاب بلا أفق واضح، أو أسرة تواجه الفقر أو التفكك أو الإدمان دون أن تجد من يساندها. وما يظهر في النهاية على شكل قضية أمنية أو ملف قضائي يكون في كثير من الأحيان النتيجة الأخيرة لمسار طويل من الإخفاقات الاجتماعية والاقتصادية والتربوية المتراكمة.

وكم من حالة عنف أو جريمة سبقتها مؤشرات واضحة من التفكك الأسري أو التسرب من التعليم أو الإدمان أو السلوك الخطر دون أن تجد تدخلاً مبكراً يغيّر مسارها. وكم من أسرة استغاثت أو لجأت إلى أكثر من جهة طلباً للمساعدة قبل أن تتحول أزمتها إلى قضية أمنية أو مأساة اجتماعية، دون أن تجد جهة تمتلك القدرة أو الصلاحية لجمع خيوط المشكلة ومعالجتها بصورة متكاملة. فالمشكلات الإنسانية لا تتوزع وفق الحدود الإدارية بين المؤسسات، بل تتفاقم كلما تأخر التدخل وتشتتت المسؤولية.

ولا تقتصر خطورة الجريمة على وقوعها، بل على تكرارها في بيئات اجتماعية هشة تعاني من التفكك أو الحرمان أو ضعف شبكات الدعم. فهذه الحالات لا تستدعي فقط البحث عن المسؤولية الفردية، بل مراجعة منظومات الرعاية والوقاية والتأهيل وقدرتها على التدخل في الوقت المناسب قبل أن تتفاقم المشكلات وتتحول إلى أزمات أكثر تعقيداً.

المسؤولية الضائعة بين المؤسسات

ومن هنا يبدأ القلق الحقيقي عندما تبدو المسؤولية العامة موزعة بين مؤسسات متعددة، لكل منها اختصاصاتها وحدود عملها وأدواتها المختلفة. فطبيعة العمل الأمني تفرض التركيز على التعامل مع الجريمة وآثارها المباشرة، فيما تواجه المؤسسات الاجتماعية تحديات تتعلق بالإمكانات والصلاحيات وتعدد الملفات الملقاة على عاتقها، بينما تعمل جهات أخرى ضمن أطر قانونية وإدارية قد لا تسمح دائماً بالاستجابة المتكاملة للمشكلات المركبة. وفي مثل هذه الحالات تظهر الحاجة إلى مستويات أعلى من التنسيق والتكامل بين مختلف المؤسسات.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة ليس ارتفاع معدلات الجريمة بحد ذاته، بل اتساع الفجوة بين المشكلات المركبة والقدرة المؤسسية على التعامل معها بصورة شاملة. فالعنف والانحراف لا ينموان في الفراغ، وإنما داخل المساحات التي تتركها السياسات المتباعدة والاختصاصات المتجاورة التي لا يجمعها إطار متكامل للعمل المشترك. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق التوقف عنده ليس: من المسؤول بعد وقوع الجريمة؟ بل: كيف يمكن لمنظومة الحماية الاجتماعية أن تعمل بصورة أكثر تكاملاً قبل أن تصل الأمور إلى هذه النتيجة؟

الدولة كفكرة أخلاقية

والدولة ليست مجموعة مؤسسات منفصلة تعمل داخل جزر معزولة، ولا مجرد نصوص قانونية تحدد أين تبدأ مسؤولية هذه الجهة وأين تنتهي مسؤولية تلك الجهة. فالدولة في جوهرها فكرة أخلاقية قبل أن تكون بنية إدارية، ومعناها الحقيقي يتجلى في قدرتها على حماية الإنسان عندما يضعف، واحتضانه عندما يتعثر، ومنحه الفرصة قبل أن يسقط في هاوية اليأس أو العنف.

فمسؤولية حماية المجتمع لا تتجزأ بين مؤسسة وأخرى، لأن الأمن والتنمية والرعاية والتعليم والعدالة حلقات مترابطة في سلسلة واحدة. وحين تنكسر إحدى هذه الحلقات، لا تكون الجريمة سوى الإشارة الأخيرة إلى أن الخلل بدأ قبل ذلك بسنوات طويلة. ولهذا فإن الفصل الحاد بين المسؤولية الاجتماعية والمسؤولية الأمنية ليس سوى وهم إداري؛ فما تعجز المؤسسات الاجتماعية عن معالجته اليوم، قد تضطر الأجهزة الأمنية إلى التعامل مع نتائجه غداً، وما يُهمل في المدرسة أو الأسرة أو سوق العمل قد يظهر لاحقاً في ملفات المحاكم أو مراكز الإصلاح والتأهيل.

الأمن يبدأ قبل الجريمة

وقد أدركت الدول الحديثة أن الأمن الحقيقي لا يبدأ من السجون ولا من الدوريات الأمنية، بل يبدأ من المدرسة والأسرة ومراكز الشباب والرعاية الاجتماعية وفرص العمل والعدالة الاجتماعية. فكل دينار يُنفق على الوقاية الاجتماعية يوفر أضعافه مما قد يُنفق لاحقاً على معالجة نتائج الفشل الاجتماعي. كما أن كلفة الجريمة لا تُقاس بعدد الضحايا أو القضايا المسجلة فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد والاستثمار وجودة الحياة والثقة العامة ومستقبل التنمية نفسها.

الكلفة الاقتصادية الخفية

فالجريمة ليست كلفة أمنية فقط، بل كلفة اقتصادية أيضاً. فهي تضعف ثقة المستثمرين، وتزيد الأعباء على أجهزة العدالة ومؤسسات الإصلاح والتأهيل، وتستنزف موارد الدولة التي كان يمكن توجيهها نحو التعليم والتنمية وخلق فرص العمل. كما أن المجتمعات التي تتراجع فيها مؤشرات الأمان الاجتماعي تدفع ثمناً اقتصادياً مضاعفاً يتمثل في تراجع الاستثمار وارتفاع كلفة إدارة الأزمات واستنزاف الموارد العامة.

فالمستثمر لا يبحث عن الحوافز الضريبية وحدها، بل يبحث أيضاً عن مجتمع مستقر ومؤسسات قادرة على إدارة المخاطر الاجتماعية قبل تحولها إلى أزمات عامة.

ولا يمكن مواجهة هذه التحديات بالاستجابة المتأخرة وحدها، بل من خلال بناء منظومة وطنية للوقاية الاجتماعية تقوم على الإنذار المبكر للأسر والفئات الأكثر هشاشة قبل تفاقم أزماتها، وتكامل قواعد البيانات والمعلومات بين المؤسسات المعنية بما يسمح برصد المشكلات ومتابعتها بصورة أكثر فاعلية. كما تقتضي الحاجة إلى فرق تدخل اجتماعي متعددة التخصصات تضم خبرات اجتماعية وتربوية ونفسية واقتصادية، قادرة على التعامل مع الحالات المعقدة بصورة شمولية. ويظل تعزيز دور المدارس ومراكز الشباب والمؤسسات المجتمعية خط الدفاع الأول في بناء الوعي والانتماء واحتواء المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات أو مظاهر عنف وانحراف.

استعادة فلسفة التكامل

لقد قامت الدولة الأردنية عبر تاريخها على قيم التكافل والمسؤولية المشتركة، واستطاعت في أصعب الظروف أن تحافظ على تماسكها الاجتماعي بفضل قوة مؤسساتها ووعي مجتمعها. إلا أن المحافظة على هذا الإرث تتطلب اليوم مراجعة جادة لفلسفة العمل العام، بحيث لا تنشغل المؤسسات بتحديد حدود مسؤولياتها بقدر انشغالها بالبحث عن آليات التعاون والتكامل فيما بينها لحماية المجتمع وصون استقراره.

وخلال سنوات العمل العام، في الحكم المحلي والعمل البرلماني، مرّت أمامنا حالات كثيرة لم تكن بحاجة إلى دورية أمنية بقدر حاجتها إلى تدخل اجتماعي مبكر. كانت بعض المشكلات تبدأ بطلب مساعدة بسيط، أو بخلاف عائلي محدود، أو بشاب خرج من المدرسة مبكراً، ثم تتراكم الظروف عاماً بعد عام حتى تتحول إلى قضية أكبر مما كان يتوقعه الجميع. وفي كل مرة كان السؤال يتكرر: هل كان يمكن منع الوصول إلى هذه النتيجة لو تدخّل أحد في الوقت المناسب؟

فالمواطن لا يهمه أي مؤسسة تتحمل المسؤولية، بقدر ما يهمه أن يشعر أن هناك دولة حاضرة حين يحتاجها، وأن هناك منظومة متكاملة ترى الإنسان قبل الإجراءات، وترى الوقاية قبل العقوبة، وترى المستقبل قبل إدارة الأزمات.

فالدول لا تضعف حين تواجه المشكلات والتحديات، بل حين يصبح التعامل معها مجزأً أو متأخراً عن مواكبة أسبابها العميقة. والخطر الحقيقي لا يبدأ عند وقوع الجريمة فحسب، بل عندما تتراجع قدرة منظومة الحماية الاجتماعية والاقتصادية والتربوية على اكتشاف مؤشرات الخطر مبكراً والتعامل معها بصورة متكاملة، بما يحول دون تحولها إلى أزمات أكثر تعقيداً وكلفة على المجتمع والدولة.

المأساة تبدأ قبل وقوعها

فالجريمة ليست أول فصول الأزمة، بل آخر ما يظهر منها للعيان. إنها الصدى الأخير لسلسلة طويلة من الإشارات والتحذيرات التي لم تجد من يصغي إليها، والنتيجة المتأخرة لاختلالات تراكمت في الأسرة أو المدرسة أو المجتمع أو منظومات الرعاية والحماية. وهي لا تكشف فقط عن خلل في سلوك فرد، بل قد تكشف عن قصور في القدرة على التقاط مؤشرات الخطر والتعامل معها قبل استفحالها.

وحين يصبح البحث عن المبررات أكثر حضوراً من البحث عن الحلول، لا تكون الجريمة هي الأزمة الحقيقية، بل طريقة تعاملنا مع أسبابها. فالمجتمعات لا تُقاس بقدرتها على تفسير ما حدث بعد وقوعه، بل بقدرتها على منع وقوعه من الأساس.

فكم جريمة كان يمكن ألا تقع لو التُقطت أول إشارة استغاثة في وقتها؟

وحين يصبح الجميع قادراً على إثبات أنه غير مسؤول، تكون المأساة قد وجدت طريقها بالفعل إلى المجتمع، ويكون الفشل قد بدأ قبل الجريمة بوقت طويل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :