لم يعد السؤال المطروح في العالم العربي كيف نطوّر العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، بل هل ما زال هذا العقد قائماً أصلاً؟
لسنوات طويلة قامت الدولة العربية على معادلة واضحة. توفر الدولة الأمن وفرص العمل والدعم والخدمات الأساسية، ويحصل النظام السياسي بالمقابل على الشرعية والاستقرار والولاء العام. لم تكن معادلة مثالية، لكنها كانت مفهومة ومقبولة وقادرة على الاستمرار.
اليوم لم تعد هذه المعادلة قائمة.
الدولة لم تعد قادرة على لعب الدور الاقتصادي والاجتماعي الذي لعبته لعقود طويلة. والمواطن لم يعد يقبل بدور المتلقي الصامت الذي ينتظر القرارات من فوق. وبين الطرفين نشأت فجوة تتسع عاماً بعد عام حتى تحولت إلى أزمة ثقة عميقة تكاد تكون السمة المشتركة في معظم المجتمعات العربية.
لقد تغير كل شيء تقريباً. تضاعفت أعداد الشباب. ارتفعت مستويات التعليم. انفجرت ثورة الاتصالات. أصبح المواطن يقارن يومياً بين ما يراه في بلده وما يراه في العالم. لكنه في الوقت نفسه يواجه بطالة مرتفعة وفرصاً محدودة وتراجعاً في جودة الخدمات وضغوطاً اقتصادية غير مسبوقة.
المفارقة أن المواطن العربي دخل القرن الحادي والعشرين بينما بقيت كثير من المؤسسات العامة أسيرة تصورات القرن العشرين. تغير المجتمع بسرعة هائلة بينما تحركت السياسات ببطء شديد. وهنا بدأ العقد الاجتماعي بالتآكل حتى وصل إلى مرحلة يمكن وصفها بأنها انهيار صامت لا تعلن عنه الحكومات ولا تعترف به النخب السياسية.
الخطورة لا تكمن في تراجع الثقة فحسب، بل في غياب البديل. فالعقد القديم انتهى عملياً، بينما العقد الجديد لم يولد بعد. ولهذا تعيش المنطقة حالة من القلق المزمن والتوتر الاجتماعي والشعور المتزايد بعدم اليقين.
المواطن يريد شراكة حقيقية لا وصاية. يريد فرصاً لا وعوداً. يريد مؤسسات تحاسَب كما تحاسب المواطنين. ويريد أن يشعر بأن جهده وكفاءته هما الطريق إلى التقدم لا الوساطات والمحسوبيات.
أما الدولة فهي بحاجة إلى مواطن يدرك حجم التحديات ويتحمل نصيبه من المسؤولية ويشارك في حماية الاستقرار ودفع عجلة التنمية.
لكن هذه العلاقة الجديدة لن تولد من تلقاء نفسها. إنها تحتاج إلى إعادة تأسيس شاملة للعقد الاجتماعي العربي على قاعدة الحقوق والواجبات والشفافية والعدالة والكفاءة.
فالاستقرار في المستقبل لن تصنعه القبضة الإدارية وحدها، ولن تصنعه الخطابات السياسية وحدها، ولن تصنعه برامج الدعم وحدها. الاستقرار الحقيقي تصنعه الثقة.
وحين تفقد الثقة يصبح الوطن كله في حالة انتظار لعقد جديد.