facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من انتظار الوظيفة إلى صناعة القيمة


د. أميرة يوسف ظاهر
07-06-2026 01:59 PM

في الوقت الذي تتسابق فيه الاقتصادات الحديثة نحو الابتكار واقتصاد المعرفة وريادة الأعمال، ما زالت قضية البطالة تطرح في كثير من الأحيان بوصفها أزمة أرقام وشواغر وفرص عمل مفقودة، غير أن جوهر التحدي يتجاوز ذلك بكثير، فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بقدرة السوق على استيعاب الباحثين عن العمل، بل بقدرتنا كمجتمع على إعادة تعريف مفهوم العمل ذاته، وبناء ثقافة ترى في الإنسان منتجا للقيمة لا مجرد باحث عنها.

لقد تشكلت عبر عقود طويلة قناعة راسخة لدى كثير من الشباب بأن الوظيفة هي المسار الطبيعي الوحيد نحو الاستقرار والنجاح -وليس في ذلك ما يعيب- فالوظيفة ستبقى خيارا مهما ومحترما وضرورة اقتصادية واجتماعية، لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول إلى الخيار الوحيد الذي نراه ممكنا، وعندما يصبح مستقبل آلاف الخريجين مرهونا بعدد محدود من الشواغر وفرص التعيين.

وفي ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، لم يعد من الواقعي أن يستمر التفكير بالأدوات ذاتها التي صاغت سوق العمل قبل عقود، فالعالم اليوم يفتح أبوابا واسعة أمام المبادرات الفردية والمشروعات الناشئة والعمل الحر والاقتصاد الرقمي والصناعات الإبداعية، وهي مجالات باتت تشكل جزءا أساسيا من النمو الاقتصادي في العديد من الدول.

لقد نجحت منظومات التعليم في تخريج أجيال متعلمة ومؤهلة، لكنها لم تنجح بالقدر ذاته في ترسيخ ثقافة المبادرة والإنتاج، تعلم أبناؤنا كيف يجيبون عن الأسئلة، لكنهم لم يتعلموا دائما كيف يطرحون أسئلة جديدة. تعلموا كيف يبحثون عن فرصة، لكنهم لم يمنحوا الأدوات الكافية لصناعة فرصة لأنفسهم ولغيرهم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من ثقافة التلقي إلى ثقافة المبادرة، ومن عقلية انتظار الحلول إلى عقلية المشاركة في صنعها.

وفي المقابل فإن الفرص الحقيقية ليست بعيدة عنا كما نعتقد، فالأردن يمتلك رأس مال بشريا يتميز بالمعرفة والقدرة على التكيف والطموح، كما يمتلك قطاعات واعدة ما تزال بحاجة إلى مزيد من الاستثمار والابتكار، ففي مجالات: الاقتصاد الأخضر، وإعادة التدوير، والسياحة المجتمعية، والصناعات الإبداعية، والتعليم الرقمي، والمشروعات المرتبطة بالهوية المحلية، توجد فرص حقيقية يمكن أن تتحول إلى قصص نجاح إذا توافرت البيئة الداعمة والرؤية الواضحة.

ولا بد من الاعتراف بأن التمويل على أهميته، ليس التحدي الوحيد وربما ليس الأكبر، فهناك تحديات أخرى أكثر تأثيرا تتمثل في الخوف من التجربة، والقلق من الفشل، وغياب النماذج الملهمة القريبة من واقع الشباب. وما زالت بعض البيئات الاجتماعية تنظر إلى تعثر المشروع بوصفه نهاية للطريق، بينما تنظر إليه المجتمعات الريادية باعتباره جزءا طبيعيا من رحلة التعلم واكتساب الخبرة.

لذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب تحولا في الثقافة قبل الإجراءات، وفي منظومة التفكير قبل البرامج والمبادرات. نحتاج إلى تعليم يعزز الإبداع وحل المشكلات والعمل التعاوني، وإلى جامعات تكون حاضنات للأفكار لا مجرد مانحة للشهادات، وإلى شراكات فاعلة بين القطاعين العام والخاص لتمكين الشباب من تحويل أفكارهم إلى مشاريع قادرة على الاستمرار والنمو. كما نحتاج إلى بيئة تحتفي بالمحاولة والاجتهاد، وتمنح الشباب الثقة بأن المستقبل لا ينتظر بل يبنى.

إن بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود والتنافسية لا يبدأ من الأرقام والمؤشرات فحسب، بل يبدأ من الإنسان؛ من قدرته على التفكير والإنتاج والابتكار وصناعة القيمة. فالتنمية الحقيقية لا تقوم على توفير الفرص فقط، وإنما على بناء أفراد قادرين على اكتشافها وابتكارها وتحويلها إلى أثر اقتصادي واجتماعي مستدام.

ويبقى الرهان الأكبر على شباب الأردن؛ فهم ليسوا عبئا اقتصاديا كما قد توحي بعض المؤشرات، بل الثروة الوطنية الأكثر أهمية والأعلى قيمة. وكل استثمار في مهاراتهم وقدرتهم على المبادرة والإنتاج هو استثمار مباشر في مستقبل الوطن، فالأمم لا تتقدم بعدد الوظائف التي توفرها فقط، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى قيمة، والأفكار إلى مشاريع، والطموحات الفردية إلى إنجازات جماعية، ولعل السؤال الذي يجب أن يشغلنا اليوم ليس: كم وظيفة سنوفر غدا؟ لكن: كم إنسانا سنمكن من أن يصبح منتجا للقيمة، وصانعا للفرصة، وشريكا حقيقيا في بناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على المنافسة؟ فعندما ننجح في ذلك، لن تكون البطالة القضية الأكثر إلحاحا، لأن المجتمع سيكون قد انتقل من البحث عن العمل إلى صناعة العمل، ومن انتظار المستقبل إلى المشاركة في صنعه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :