الماضي المستمر .. من النكسة إلى الطوفان
فيصل سلايطة
07-06-2026 02:00 PM
منذ عقود طويلة، ونحن نعيش داخل الجملة نفسها، نكرر الكلمات ذاتها، وننتظر النتيجة ذاتها، ثم نتفاجأ بأنها لم تأتِ. يتغير التاريخ على الورق، وتتبدل أسماء المعارك والعمليات والاتفاقيات، لكن العقل السياسي العربي ما زال عالقًا في الماضي المستمر... زمن لا ينتهي، وهزيمة لا تُراجع، وأمل لا يُحاسب.
من النكسة إلى الطوفان، بقيت واحدة من أكبر المفارقات السياسية حاضرة في وعينا الجمعي ...نريد الانتصار على الخصم باستخدام أدواته هو، وفي ساحته هو، ووفق شروطه هو. نريد أن نهزمه عسكريًا بينما نتأخر عنه علميًا، ونريد أن ننافسه اقتصاديًا بينما نستهلك أكثر مما ننتج، ونريد أن نكسب معركة الوعي بينما نعجز عن بناء مؤسسات تصنع المعرفة.
لقد تحولت بعض الشعارات إلى حقائق مقدسة لا يجوز الاقتراب منها، رغم أن الواقع يصرخ بعكسها. أصبح مجرد طرح الأسئلة نوعًا من الخيانة، وأصبح تقييم النتائج ترفًا لا تسمح به العاطفة السياسية. وهكذا استمرت الحلقة نفسها: خسارة تتبعها خطابات، وخطابات تتبعها آمال، وآمال تتبعها خسارة جديدة.
المشكلة لم تكن يومًا في نقص الشجاعة أو غياب التضحيات. المنطقة دفعت من دمائها ما يكفي لكتابة تاريخ كامل. المشكلة كانت وما زالت، في الفجوة بين الإرادة والقدرة. فالإرادة وحدها لا تصنع نصرًا، كما أن الغضب وحده لا يبني مشروعًا، والعاطفة وحدها لا تغير موازين القوى.
لقد تعلم العالم خلال العقود الأخيرة أن القوة أصبحت منظومة متكاملة...اقتصاد، وتكنولوجيا، وتعليم، وإدارة، وبحث علمي، وقدرة على إنتاج المعرفة. أما نحن فما زلنا نبحث عن لحظة تاريخية استثنائية تعوض غياب كل ذلك دفعة واحدة.
إن أخطر أشكال التدليس ليست تلك التي يمارسها الآخرون علينا، بل تلك التي نمارسها على أنفسنا. عندما نقنع أنفسنا أن النتيجة ستتغير بينما الأسباب نفسها ما زالت قائمة، فإننا لا نقرأ التاريخ، بل نهرب منه. وعندما نطالب بانتصارات كبرى دون مراجعة أسباب الإخفاقات الصغرى، فإننا نؤجل الحقيقة ولا نواجهها.
من النكسة إلى الطوفان، تغيرت الوجوه والخرائط والتحالفات، لكن السؤال بقي ثابتًا: هل نريد انتصارًا حقيقيًا أم مجرد شعور مؤقت بالانتصار؟ لأن الأول يحتاج إلى مشروع طويل وصعب ومكلف، أما الثاني فيكفيه خطاب حماسي وعنوان عريض ك " والله لنخلي النار تاكل نص اسرائيل "
التاريخ لا يكافئ الأمنيات، ولا يعترف بالنوايا. التاريخ يكافئ من يملك القدرة على تحويل الرغبة إلى قوة، والشعار إلى مؤسسة، والغضب إلى معرفة، والحلم إلى واقع.
ولهذا فإن القضية ليست كيف ننتصر في معركة واحدة، بل كيف نخرج من الماضي المستمر نفسه. فالأمم لا تتقدم عندما تكرر الرواية ذاتها، بل عندما تمتلك الشجاعة لإعادة قراءتها.
فمن النكسة إلى غزة إلى العراق إلى سوريا و لبنان و ليبيا و السودان ، لم يتغير شيء سوى التاريخ ، أما الدمار و الدم و التزوير...فهو ذاته.